كتابة مسودة العقد | المهارة رقم 4

مرحلة الإبداع وصياغة العقد

المقدمة:

تناولنا في السلسة حتى الآن الأساسيات في مهارات صياغة العقود وهي: الأركان والشروط العامة والشروط الجعلية أو الاتفاقية بين الأطراف، وكل هذه الأمور لا يكمن أن يظهر من خلالها الإبداع وتتجلى فيها مهارة الصياغة عزيزي القارئ، فالمهارة في صياغة العقود سواء كانت مهارة فطرية أم مكتسبة تظهر في مرحلة الكتابة، حيث تبرز قدرة الصائغ الماهر في حياكة وتصميم العقد وتفصيله وفق قياسات واحتياجات أطرافه، وهذه المهارة تصقل وتكتسب بالتعلم والاطلاع والتزود والتدريب، لذا في هذا المقال بمشيئة الله سنتناول مراحل العقد التي لا بد للصائغ الماهر من الإلمام بأساسياتها، وأهم البنود التي ينبغي ألا تغيب عن ذهنه أثناء الكتابة، بل لابد له من استحضارها وتخيلها، لما لا؟ "فالخيال أهم من المعرفة" كما يقول انشتاين. 


مرحلة التحضير والكتابة:

في هذه المرحلة هناك مجموعة من الخطوات الهامة التي ينبغي على محرر العقد القيام بها قبل البدء في الصياغة، وكذلك مجموعة من النقاط الهامة التي ينبغي عليه الاعتناء بها وتضمينها في مسودة العقد الأولية، ومن الأمور التي ينبغي الأعداد لها في هذه المرحلة:

1- تحديد الغرض من العقد: يقصد بذلك تحديد الغرض من العقد على وجه التحديد وبوضح لا لبس فيه، ويمكن أن يساعد أسلوب طرح الأسئلة مثل: هل الغرض من العقد التأجير العادي أو التأجير العادي ومن الباطن أيضا؟، هل الغرض من العقد البيع بثمن حال أم مؤجل؟، هل الغرض من العقد إبرام عقد شراكة؟ وما الشكل القانوني الذي ستأخذه الشركة التي ستؤسس هل ستكون شركة أموال أم أشخاص أم إحدى الشركات المنصوص عليها في نظام المعاملات المدنية؟..إلخ.

والهدف من طرح الأسئلة هو التحضير للعقد ومادته بشكل صحيح، عبر حصر جميع الاحتمالات والخيارات المتعلقة بتحديد الغرض من التعاقد بين طرفي العقد على وجه يتيح لك دل واحد منهم فهم أهدافه ونواياه من التعاقد وتحديدها بوضح ودقة، لتفادي الاختلاف والنزاع في المستقبل ولينعكس هذا الوضوح في تحديد الغرض على بنود العقد كذلك.


2- تحديد المخاطر المحتملة: أي تعامل بشري لا بد من أن تحفه مجموعة من المخاطر، والأضرار أو الخسائر المحتملة، فكل شيء كما هو معلوم له جانب سلبي وجانب إيجابي، لذا من المهم جدا أثناء  مرحلة التحضير لصياغة العقد، البدء في حصر المخاطر المحتملة جراء إبرام العقد، ومن تلك المخاطر على سبيل المثال:

  • التأخر في تسليم الثمن بعد التعاقد.
  • التأخر في تسليم المبيع أو عدم تسليمه بالمرة.
  • التأخر في الإفراغ.
  • عدم القدرة على تقديم الخدمة أو إتمام المشروع أو العقد.
  • عدم الجدية في التعاقد.
  • مخالفة الأنظمة.

وإزاء هذه المخاطر القانونية والواقعية وغيرها، يبرز دور الصائغ الماهر في توقع حدوث مثل هذه الأمور، ووضع البنود المناسبة للتصدي لها في العقد، بدلا من اللجوء للعرف، والخبراء ...إلخ، جراء تفريط الطرفين في الاتفاق على بنود قانونية في العقد تكفل حق الطرفين وتحفظه، وعدم تحري الصائغ الإتقان عند كتابة العقد، كما يبرز دور مثل هذه البنود التي تتصدى للمخاطر المحتملة عند اللجوء إلى التحكيم أو الوساطة أو المصالحة أو القضاء، لأن العقد هو السند القانوني الأول في مثل هذه  الحالات.


3- توقع الطوارئ المحتملة: الطوارئ تختلف عن المخاطر، فالمخاطر يقصد بها: أي خطر مستقبلي محتمل ناجم عن عمل ما أي أن مفهوم المخاطرة يركز على النواحي السلبية المترتبة على القيام بذلك الفعل "ويكيبديا"، أما الطوارئ فهي الأزمات والمشاكل أو الصعوبات التي لا يمكن توقعها أو التكهن بها، ومن ذلك على - سبيل المثال - لا الحصر:

  • غياب أحد أطراف العقد، كالفقد ونحوه.
  • وفاة أحد الأطراف في العقد.
  • تلف محل العقد.
  • وقوع النزاعات والحروب.
  • الظروف القاهرة مثل الكوارث الطبيعية.
  • تغيير الأنظمة والقوانين. 
  • تغير أسعار السوق عن السعر المتفق عليها بالزيادة النقصان.

ورغم أن الطوارئ المحتملة وكما سبقت الإشارة إليه لا يمكن توقعها أو التنبؤ بوقوعها، لكن مع ذلك يمكن أن يضع الصائغ الماهر أطارا عاما للتصدي لمثل هذه الحالات والتي قد تحدث دون سابق إنذار، بما يكفل مصلحة أطراف العقد، ويضع حدا لأي خسائر محتملة قد تنجم في مثل تلك الحالات، ولا شك أن المحكمة أو القضاء له رقابته على مثل هذه البنود حسب طبيعة الظروف الطارئة، وقد تتدخل المحكمة لإعادة التوازن للعقد أو حتى تقرير انفساخ العقد في الحالات التي يتعذر فيها استمرارية العقد، كما حدث بعد وأثناء جائحة كرونا الأخيرة.


4- حصر الجزاءات الممكنة: إذا كان أي تعامل بشري محفوف بالمخاطر والطوارئ الخارجية المحتملة التي قد تؤثر على قدرة أحد طرفي العقد أو كلاهما في تنفيذ التزاماته العقدية، فإن أحد طرفي العقد قد يتضرر جراء عدم وفاء الطرف الآخر بالتزاماته العقدية أثناء التعاقد، ما يفترض معه أن يكون الصائغ على قدر عالي من الفطنة لمثل هذه الأمور وألا يتركها تمر دون أن يضع لها نصوص في صلب العقد تتصدى لمثل هذه المشاكل شائعة الحدوث، حيث لا يكفي الاعتماد على قوة العلاقة بين طرفي العقد، لأن العلاقة البشرية متغيرة وليست ثابتة، ومن الجزاءات التي يمكن تضمينها في العقد على سبيل المثال:

  • العربون غير المسترد.
  • الإنذار.
  • الغرامة.
  • الشرط الجزائي أو غرامة التأخير، مع مراعاة ألا تتجاوز 10% من قيمة التعاقد الكلية.
  • حلول جميع الاقساط الغير مستحقة دفعة واحدة في حال التأخر عن سداد القسط المستحق في موعده.
  • ربط الدفع بتنفيذ العمل المطلوب في كل مرحلة، وفي حال عدم تنفيذ العمل المرتبط بالدفعة على الوجه المطلوب لا تستحق الدفعة.
  • سحب المشروع من الطرف المقصر واسناده إلى جهة أخرى مع تنفيذ العمل المتبقي على حسابه، مع الأخذ في الحسبان حق ذلك الطرف في التمسك بعدم قبوله فسخ العقد بالتراضي.
  • في حال سحب المشروع قبل إتمام الأعمال تخصم النسبة المقابلة لضمان الأعمال، والنسبة المقابلة للتسليم النهائي من قيمة الأعمال الإجمالية.
  • الحق في فسخ العقد، في حال عدم تنفيذ المطلوب بنسبة تزيد على 70% مثلا خلال المدة المحددة في العقد.

ومن المهم أيضا أن يتضمن العقد آلية واضحة لطريقة تطبيق الجزاءات المنصوص عليها في العقد، فعدم تحديد آلية محددة وواضحة لتطبيق الجزاءات قد ينجم عنه عدم جدوى تلك الجزاءات، وعدم نظامية تطبيقها في حال لم يعد هناك مسوغ لانطباقها بعد زوال أثر المخالفة العقدية.




5- حصر الضمانات الممكنة: سبق أن تناولنا عزيزي القارئ موضوع الضمانات في المقالة السابقة بعنوان "بنود العقد | المهارة رقم 3" بشيء من التفصيل ويمكن الاطلاع عليها من هنا، والحقيقة أن صياغة الضمانات من الأمور الجوهرية بل الهامة جدا، والتي قد يؤدي إغفالها إلى أضرار بالغة بالطرفين، ومن تلك الضمانات على سبيل المثال:

  • الضمان البنكي.
  • الكفالة.
  • السندات لأمر.
  • الكمبيالات.
  • الرهن.
  • الاعتماد المستندي.


6- حصر أبرز الحقوق والالتزامات: ولحصر أبرز الحقوق والالتزامات لا بد من الاستعانة بأسلوب طرح الأسئلة مثل: هل حدد العقد التزامات الأطراف بشكل محدد وواضح وملزم؟، هل بنود العقد ملزمة لجميع أطرافه أم لبعضهم دون البعض الآخر فقط؟، هل تضمن العقد مدة محددة للتنفيذ؟، هل المبالغ المحددة في العقد مقطوعة أم متغيرة؟، وفي حال كانت متغيرة هل يوجد سقف أعلى وحد أدنى لتلك المبالغ؟، ما هي آلية سداد دفعات العقد؟، وما آلية استلام تلك الدفعات؟، ومن له صلاحية الاستلام؟، ما هي آلية تحديد نسبة الأعمال المنجزة من العقد؟، وما آلية مطابقتها للعقد؟، وهل توجد عملية تسليم في كل مرحلة من مراحل العقد؟...إلخ.


7- تكييف العقد: لتكييف العقد أهمية بالغة حيث إنه يعكس حقيقة العقد، فكل عقد ينفرد بنظام قانوني وقضائيا  يحكمه، فالعقود الإدارية مثلا يحكمها نظام المنافسات والمشتريات الحكومية من الجانب القانوني أما الجانب القضائي فهي من اختصاص محاكم ديوان المظالم ولائيا، وعقد العمل يخضع لنظامه، ويحتكم أطرافه إلى القضاء العمالي، كذلك الحال إذا كان العقد عقد بيع فلا يصح تكييفه على أنه عقد استصناع والعكس صحيح، وقس على ذلك بقية العقود فالأمثلة والشواهد على أهمية التكييف القانوني للعقد كثيرة ومتنوعة.


8- مصادر قانونية وشرعية يمكن الاستعانة بها في هذه المرحلة: 

  • المعايير الشرعية.
  • المغني أو كشاف القناع.
  • الوسيط في شرح القانون المدني للسنهوري.

  • الأحكام المنشورة في البوابة العلمية القضائية.

  • النصوص النظامية.
  • الاطلاع على العقود المشابهة.
  • الاطلاع على كتب صياغة العقود.
  • تخيل وتصميم الشكل العام للعقد.


الخاتمة:

في هذا المقال تحدثنا بشكل مبسط عن نقاط جوهرية لا يصح إغفالها في مرحلة إعداد مسودة العقد، حيث تحدثنا عن تحديد الغرض من التقاعد بدقة ووضوح، وتحديد المخاطر المحتملة بعد الدخول في العلاقة التعاقدية، وعن أهمية وضع آلية للتصدي لتلك المخاطر في العقد، وكذلك الحال بالنسبة للطوارئ المحتملة، أيضا تكلمنا عن ضرورة استخدام أسلوب الأسئلة لحصر وتحديد الالتزامات التبادلية بين أطراف العقد، وتناولنا كذلك مسألة تكييف العقد، وأهم المراجع العلمية المعينة على إتقان مهارة الصياغة المحترفة للعقود، ولم يقف حديثنا عن مهارة صيغة العقود عند هذا الحد، حيث سنتحدث في المقال القادم بمشيئة الله عن بقية المراحل المتعلقة بدورة حياة العقد.


المراجع:

  • الحقيبة التدريبية لدورة صياغة العقود - للمدرب المحامي أ.حسان السيف.
  • الجامع المختصر في صياغة العقود والاتفاقيات - عبدالرحمن المقحم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم