للعقود أهمية بارزة في المنظومة القانونية كونها مصدر من مصادر الالتزام، بل وأكثر مصادره شيوعا في المعاملات، سواء كان التعامل مدني أم تجاري أم إداري، أم مختلط.كما أن العقود مهمة لتوثيق المعاملات وحفظها في وعاء قانوني مادي يمكن الاحتكام إليه عند الاختلاف أو النزاع، والحق سبحانه و تعالى يقول "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه" صدق الله العظيم.
وبالتأمل في الآية الكريمة نجد أن المولى عز وجل، أمر بتوثيق المعاملات بين الناس، ورسول الهدى صلى الله عليه وسلم قال "ثلاثة يدعون فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيهاً ماله".
وفي هذه السلسلة سنقوم بمشيئة الله بشرح مبسط لمهارة صياغة العقود، كونها مهارة لا غنى عنها لإنشاء وتوثيق الالتزامات بين الناس بشكل سليم وغير مفضي للنزاع والخلاف. وسنبدئ بتعريف القارئ الكريم بأركان العقد كون العقد لا يولد ويستمر حيا دون وجودها واكتمالها:
وقبل الحديث عن الأركان لا بد من معرفة ما الأثر أو الجزاء المترتب على تخلف أركان العقد؟
أن عدم توافر أركان العقد مجتمعه أو عدم توافر أحدها، كفيل ببطلان العقد، وبتالي لا يترتب عليه أي آثار قانونية ولا يكون نافذاً ولا يكون ملزما سواء في حق الأطراف أو في حق الغير. كما أن البطلان عندما يقع - أي انعدام الأركان أو احدها - لا يمكن أن يلحق العقد إجازة أو تصحيح ولا يرد عليه التقادم، أما الشروط كما سنتطرق له لاحقا إذا كانت مشوبة بعيوب تؤثر في صحتها، فالعقد حينها يكون قابلا للإبطال ما لم يتم إجازته أو ورد عليه التقادم، لذا من الضروري جدا مراعاة توافر الأركان منذ نشأة العقد.
ماهي أركان العقد؟
ولكن ما هو الركن؟ الركن اصطلاحا هو الداخل في حقيقة الشيء المحقق لماهيته. لذا فأن أول ما يعين صائغ العقد على الصياغة هو معرفته بأركان العقد، وصياغته لها صياغة سليمة، وقد اختلف الفقهاء في تحديدها، فقد اعتبر السنهوري العقد ينحصر في ركنان:
- إرادة المتعاقدان "التراضي"، والمقصود هنا بالإرادة تلك التي تنشأ التزاما أي أثرا قانونيا. أما التراضي الذي لا يحدث أثرا قانونيا فلا عبره له مثل المجاملات الاجتماعية، وإرادة الهازل، والإرادة الصورية ..إلخ فلا ينشئ عنها التزام.
- وتلك الإرادة يجب أن تتجه إلى غاية مشروعة "السبب" أما المحل فلم يعتبره ركنا في العقد بل اعتبره ركنا في الالتزام، واعتبر أن أهميته لا تظهر إلا في الالتزام الناشئ عن العقد. لأن المحل في الالتزام غير التعاقدي يحدده النظام أو القانون.
ولكن الجمهور متفق على أن أركان العقد هي: الصيغة والعاقدان والمعقود عليه أو المحل. أما نظام المعاملات المدنية فحدد أركان العقد بركنان هما : الرضى، والمحل والسبب.
ومن المعروف أن لكل عقد من العقود أركان أساسية حسب تكييفه القانوني، فمثلا في عقد الزواج، لا ينعقد العقد إلا بحضور الشهود وشهادتهم على العقد، فالشهادة إذا ركن من أركان عقد الزواج. أيضا في العقود العينية يجب تسليم الشيء محل العقد، لأن التسليم ركن من أركان العقد ويصح العقد بدونه، وكذلك الحال بالنسبة للعقود الشكلية, فالشكليات التي أوجبها النظام ركن من أركان العقد لا يتم العقد إلا بها.. إلا أن العقود بصفة عامة تشترك في أركان عامة وهي:
1- ركن الصيغة:
والصيغة يقصد بها ما صدر من المتعاقدين دالا على توجه إرادتهما الباطنة لإنشاء العقد وإبرامه. وهي باختصار الإيجاب والقبول، ويتم الإيجاب والقبول أما بالتعبير الصريح كالقول أو الفعل أو الإشارة أو الكتابة، أو بالتعبير الضمني، وذلك الأخير هو ذلك النوع من التعبير الذي يأخذ مظهر لا يكشف الإرادة ولكنه مع ذلك لا يمكن تفسيره دون أن يفترض وجودها مثل بقاء المستأجر في العين بعد انتهاء العقد ويفهم من ذلك أنه يريد تجديد عقد الإيجار..إلخ.
وأهم ما ينبغي مراعاته في ركن الصيغة أن تكون الصيغة واضحة الدلالة على نوع التعاقد و الغرض منه لا لبس فيها، مع استخدام الألفاظ الماضية لأنها أدق في وصف ركن الصيغة، وحتى لا يكون هناك مجال للأنكار.
مثال على ذلك: ما يكتب عادة في بند التمهيد من عبارات، مثل "وحيث أن الطرف الأول يملك قطعة الأرض رقم .... بالمخطط رقم .... والبلوك رقم .... بحي ... بمدينة .... بدولة ...... ، المملوكة له بموجب الصك رقم ... وتاريخ .... ، وحيث أن الطرف الثاني يرغب في إقامة مشروعه ... على قطعة الأرض المملوكة للطرف الأول، لذا فقد التقت إرادة الطرفان وهما بكامل الأهلية المعتبرة شرعا ونظاما على ما يلي: أولا: باع الطرف الأول على الطرف الثاني قطعة الأرض المشار إليها في التمهيد أعلاه".
2- ركن العاقدان:
وهما طرفا العقد اللذان يصدر منهما الإيجاب والقبول، ويشترط بعد تعبيرهما عن إرادتهما تطابق تلك الإرادة "الإيجاب بالقبول" لانعقاد العقد. مثل البائع والمشتري في عقود البيع، ورب المال والمضارب في عقود المضاربة...إلخ. ويقوم مقام العاقدان النائب أي من ينيبه كل واحد منها لإبرام العقد نيابة عنه.
3- ركن المحل أو المعقود عليه:
ويقصد به الشيء الذي يلتزم المدين بالقيم به، والمدين يلتزم أما بنقل حق عيني أو بعمل أو بالامتناع عن عمل. مثل السلعة في عقود البيع أو منفعة العين وثمنها في عقود الإجارة.
وهناك شروط يجب توافرها في المحل وإلا كان المحل باطلا:
- أن يكون موجود إذا كان الشيء محل الالتزام ينقل حقا عينيا
- وأن يكون ممكن إذا كان محل الالتزام عملا أو امتناع عن عمل
- أن يكون الشيء محل الالتزام معينا أو قابلا للتعيين
- أن يكون الشيء محل الالتزام قابلا للتعامل به.
- ألا يكون مخالفا للنظام العام.
يبقى السؤال الأهم ما هي أسباب بطلان العقد؟
البطلان أيها القارئ الكريم هو عند جمهور العلماء مثله مثل عدم الصحة والفساد، جميعهم يأخذون ذات الحكم ألا وهو "عدم ترتب الأثر المطلوب من المعاملة". وهو جزاء قانوني على تخلف أحد أركان العقد أو جميعها كما اسلفنا، وهو من النظام العام تثيره المحكمة من تلقاء نفسها ولو لم يتمسك به الأطراف.
وهذا ما ورد في نص المادة 81/1 من نظام المعاملات المدنية. كما أن دعوى البطلان لا تسمع إذا انقضت 10 سنوات من تاريخ التعاقد، ولكن لكل ذي مصلحة أن يدفع ببطلان العقد في أي وقت.
فائدة: الدفع بالبطلان لا يسقط بالتقادم عكس سماع الدعوى، أي أنه وأن كانت دعوى طلب إثبات بطلان العقد لا تسمع للتقادم، فأنه يمكن الدفع ببطلان العقد في أي وقت وفي أي مرحلة كانت عليها الدعوى فهو من النظام العام، مثال لو أن شخص باع لشخص آخر قطعة أرضية، وكان عقد البيع باطلا، فالبائع يستطيع أن يسترد الأرض من المشتري ليس بدعوى بطلان العقد ولكن عن طريق دعوى الاستحقاق والتي يمكنه فيها الدفع ببطلان العقد.
أولا فيما يخص الصيغة: فهي تبطل بلا شك إذا كانت ألفاظ الصيغة فيها جهالة فاحشة، أو أنها غير دالة على نوع البيع أو الغرض منه أو أوصافه.
وفي ذلك قضت الدائرة الثانية بالمحكمة التجارية بمكة المكرمة ببطلان عقد بيع، ادعى طرفيه أنه عقد مضاربة، لكن المحكمة كيفت العقد بناء على ما اتجهت إليه إرادة الطرفين بأنه عقد "بيع وليس المضاربة وهذا ما أقر به الطرفان" حيث تبين للدائرة بطلان العقد من أكثر من وجه، ومن ضمنها أن السلعة المبيعة غير معينة أو موصوفة في العقد بوصف يكفي في صحة المبيع كموديل السيارة ولونها وغيره من المواصفات اللازمة لصحة البيع، لأن العلم بالمبيع شرط من شروط البيع، وهو يتحقق بالرؤية أو الصفة التي تكفي في ضبطه. وقد وأؤيد الحكم من محكمة الاستئناف.
ثانيا فيما يخص العاقدان: يبطل هذا الركن في حال انعدام الأهلية الشرعية والنظامية في العاقدان، مثل صدور التصرف من صبي غير مميز حتى لو كان التصرف نافعا، حيث نصت المادة 49 من نظام المعاملات المدنية على "تصرفات الصغير غير المميز باطلة" وكذلك المجنون و فاقد الوعي...إلخ. وذلك لأنهم جميعا منعدمي الإرادة.
ثالثا فيما يخص محل العقد: يبطل محل العقد إذا كان المعقود عليه لا يجوز التعاقد عليه شرعا أو نظاما، مثال: كبيع المخدرات، أو المخمور ..إلخ، أو إذا باع أحد أطراف العقد على الآخر ما لا يملك.
وفي ذلك قضت الدائرة الثالثة بالمحكمة التجارية بمكة المكرمة ببطلان عقد بيع سيارات "قلابات " وحكمت برد ما استلم من ثمن البيع، لعدم تملك البائع للمبيع، كما أبطلت عقد الإجارة المنبثق من عقد البيع لبطلان عقد البيع، والذي كان قد اتفق فيه المؤجر "المشتري" مع المستأجر "البائع" على تأجيره ذات السيارات محل البيع، وذلك لعدم استلام المؤجر "المشتري" للسيارات وبتالي عدم قدرته على تسليمها للمستأجر "البائع" وتمكينه من الانتفاع بها. وحكمت الدائرة بعدم استحقاق المؤجر لأجرة السيارات التي طالب بها لما تقدم.
أما أركان العقد في القانون أو النظام فلا تختلف عن أركان العقد في الفقه كثيرا، وقد قسمها النظام إلى ما يلي:
- الرضى: ويقصد به تبادل أطراف العقد التعبير عن رغبتهما في الالتزام بما ورد في الإيجاب والقبول المتطابقين.
- المحل والسبب: المحل ويقصد به موضوع الالتزام الناشئ عن العقد. السبب ويقصد به الباعث المباشر الذي يدفع أطراف العقد للدخول في العلاقة التعاقدية. أي باختصار أن الفرق بينهما أن المحل جواب من يسأل بماذا التزم المدين؟ أما السبب جواب من يسأل لماذا التزم المدين؟.
مما سبق نخلص أن العقد لا يمكن أن يوجد ويستمر ويحدث أثرا قانونيا إلا إذا كان قائما على أركان صحيحه ومكتملة، لذا فأول ما تقتضيه الصياغة السليمة التأكد من توافر جميع أركان العقد، فالبنيان لا يقوم إلا على القواعد! وقواعد العقد هي أركانه التي قوم عليه عقد سليما ملزما لأطرافه منتجا لآثاره القانونية السليمة. والأركان ينبغي أن تكون مستوفيه لشروطها حتى يكون العقد صحيحا غير قابل للإبطال ، وفي التدوينة القادمة بمشيئة المولى عز وجل سنتطرق للشروط العامة في العقد، والتي تعين معرفتها أسوة بأركان العقد في صياغة العقد صياغة سليمة.
المراجع:
- لسان العرب لابن منظور.
- الجامع المختصر في صياغة العقود والاتفاقيات - إعداد عبد الرحمن فهد المقحم - صادر عن جمعية قضاء.
- حاشية الدسوقي.
- دورة فن صياغة العقود للأعيان الوقفية - للشيخ يوسف الحميد.
- نظرية الالتزام - بوجه عام - مصادر الالتزام - د. عبد الرزاق السنهوري.
- https://sjp.moj.gov.sa/Filter/AhkamDetails/80042
