الشروط الاتفاقية للعقد | المهارة رقم 3


بنود العقد

عرجنا فيما سبق على الشروط العامة في العقد وذكرنا أن صحة العقد تتوقف على توافرها من عدمه، وذكرنا أيضا أنه في حال عدم توافرها فأن العقد يكون قابلا للإبطال كجزاء قانوني على غياب شرط من شروط صحته، وذكرنا أنها من وضع الشارع.وفي هذه التدوينه بمشيئة الله سنتعرف سويا على أهم ما ينبغي الإلمام به فيما يخص صياغة "الشروط أو البنود في العقد".

من المعلوم أن إرادة المتعاقدين هي مصدر القوة الملزمة للعقد فيكون الالتزام الناشئ عن العقد معادلا في قوته للالتزام الناشئ من القانون. وفي هذه السلسة بمشيئة الله سيكون الحديث منصبا على معرفة صياغة بنود العقود اللازمة، لأن العقود الجائزة بين الطرفين يحق لأطرافها المضي فيها قدوما أو تركها، ما لم يترتب على الترك ضرر للطرف الآخر، حينها تطبق القاعدة الكلية الكبرى "الضرر يزال"، وسنجيب كذلك على أهم الأسئلة المتعلقة بهذا الأمر بمشيئة الله:


الفرق بين الشرط والالتزام

الشرط: هو إلزام أحد المتعاقدين للآخر بما لا يلزمه إلا بمقتضى العقد. 

الالتزام: هو الرابطة القانونية بين الدائن والمدين. وقد عرفه السنهوري بأنه "حالة قانونية يرتبط، بمقتضاها، شخص معين بنقل حق عيني او بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل".

إذا فالشرط هو الأداة التي يمكن من خلالها أن يبسط احد المتعاقدين إرادته على الآخر بالتراضي، أما الالتزام فهو المظلة أو العلاقة التي تجمعهما.


الشروط الجائزة والشروط الفاسدة

  • الشروط  الفاسدة: 

  1. وهي التي تخالف شرع الله أو الأنظمة المرعية: قال صلى الله عليه وسلم "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق".
  2. الشروط التي تنافي مقتضى العقد: مثل أن يشترط البائع على المشتري ألا يبع السلعة أو يهبها. وهذا بطبيعة الحال يناقض طبيعة عقد البيع، من حيث حرية التصرف في الملك، حيث أن المشتري بعد تمام البيع تنتقل له ملكية المبيع وله حرية التصرف في ملكه كما يشاء دون قيد أو شرط.
  3. اشتراط عقد في عقد: وهذا يفسد البيع ويبطله في آن واحد لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه، مثل أن يقول البائع للمشتري بعتك داري بكذا على أن تبيعني مركبتك بكذا.
وذهب بعض العلماء إلى أن المقصود ببيعتين في بيعه ما يؤول إلى الربا مثل بيع العينة والذي يقصد به أن يبع الرجل سلعة بثمن آجل ثم يشتريها نقدا بثمن أقل مما باعها به.

  • الشروط الجائزة:

أولا : الخيار: وهو حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه، لظهور مسوغ شرعي أو بمقتضى اتفاق عقدي. والخيار له عدة أنواع منها:
  • خيار المجلس: أي أن للعاقدين حق فسخ العقد مادام مجلس البيع لم ينفض. ودل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما".
  • خيار الشرط : وهو أن يشترط أحد الطرفين أو كلاهما على الآخر مدة معلومة يحق له فيها فسخ البيع. أما في حال عدم تحديد المدة فقد نصت المادة 106 من نظام المعاملات المدنية على "... وإذا لم تعين مدة الخيار عينتها المحكمة بحسب العرف وظروف العقد".
  • خيار العيب: أن يجد العاقد عيب في السلعة، ويتضح له أنه كان موجودا فيها قبل العقد، حينها يحق للمشتري فسخ البيع أو إمساكه مع الأرش أو أن يرضى بالعيب فيسقط حقه في المطالبة بفسخ العقد.
  • خيار الغبن: والعبرة هنا للغبن الفاحش، وقد سبق وأن تحدثنا عن الغبن في تدوينة سابقة، وذكرنا أنه من يعيب الإرادة (ركن التراضي) ويجعل العقد قابلا للإبطال. والغبن منهي عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخبار".

ثانيا: الشروط المتفق عليها بين العاقدين بشكل عام:
لا شك أن الأصل في الأمور الإباحة وأن المعاملات بشتى أنواعها وصورها، تكتنفها الكثير من الأمور والتفاصيل الفنية الدقيقة التي لا يعلمها سواء أطراف العلاقة التعاقدية، لذا فوفقا لمبدأ سلطان الإرادة يحق لهم أن يتفقوا على شروط يلتزمون بها فيما بينهم تحقيقا لمصالحهم وللغرض الذي تم من أجله التعاقد طالما أنها لا تنطوي على أمر محرم أو مخالف للنظام، أو مبادئ القانون بصفة عامة. لقول النبي صلى الله عليه وسلم "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، ولقوله صلى الله عليه وسلم "المسلمون على شروطهم".
وصياغة الشروط الخاصة بين طرفي التعاقد مهمة جدا وإغفالها قد يضر بمصالح أحد الطرفين، أو يسقط حقه فيما يدعي به، ومن ذلك ما جاء في حكم للدائرة الثانية والعشرون بالمحكمة التجارية بالرياض، من الزام للشركة الوطنية للمياه بالإفراج عن الضمان النهائي لصالح المدعية، بعد أن قامت الأخيرة بتسليمها المشروع تسليما نهائيا، وادعاء شركة المياه عدم استحقاقها للإفراج عن الضمان لعدم استكمال المتطلبات النهائية لاستلام المستخلص النهائي والافراج عن الضمان البنكي، والمتمثلة في تقديم شهادة اخلاء طرف من الجهة الحكومية التابع لها المشروع استنادا على تعميم وزير المياه والكهرباء رقم 7469/1/1435 1/9/1435 ، حيث اعتبرت الدائرة أن التعميم هو حث للدائرة على وضع ذلك الشرط ضمن العقود واهمالها لهذا الأمر تفريط منها تتحمل تبعاته.

الجزاء القانوني المترتب على بطلان أحد الشروط في العقد

لا ريب أن الشروط الفاسدة أو الباطلة التي يضعها العاقدان، غير ملزمة ووجودها في العقد لا قيمة له، لذا  فأن سقوطها متحتم، وهذا السقوط  لا يمس باقي الشروط الصحيحة في العقد، فتبقى تلك الشروط ويبقى العقد ذاته قائما منتجا لآثاره ونافذا في حق العاقدان والغير.


الجزاء القانوني المترتب على الإخلال بأحد تلك الشروط

الجزاء هو الفسخ في العقود الملزمة للجانبين، وقد نصت المادة 107 من نظام المعاملات المدنية على "في العقود الملزمة للجانبين، إذا لم يوف أحد المتعاقدين بالتزامه، فللمتعاقد الآخر بعد إعذار المتعاقد المخل أن يطلب تنفيذ العقد او فسخه، مع التعويض في الحالتين إن كان له مقتض، وللمحكمة ان ترفض طلب الفسخ إذا كان الجزء الذي لم يوف به المخل قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام".

🔔 تنبيه : يتضح من نص المادة أن الإعذار شرط لقبول طلب الالزام بتنفيذ العقد  أو طلب فسخه، لذا ينبغي التنبه لهذا الأمر قبل رفع الدعوى أمام المحكمة المختصة. ودل على أهمية أرسال خطاب الإعذار ما ورد في المادة 108 من النظام "... ، ولا يعفي هذا الاتفاق من الإعذار إلا إذا اتفق المتعاقدان صراحة على الإعفاء منه".


أبرز الشروط التي ينبغي الاتفاق عليها بين طرفي العقد: في الحقيقة يمكن تقسيم تلك الشروط إلى عدة فئات من أبرزها:

  • شروط متفق عليها: وقد سبق الحديث عنها في الفقرة الخاصة بالشروط الجائزة.

  • ضمانات العقد: لا شك أن جميع التعاملات محفوفة بالمخاطر، والظروف كل طرف ومدى قدرته على الوفاء بالالتزامات التي انشأها، لذا كان لزاما على أطراف العلاقة التعاقدية عند صياغة شروط العقد أن يضعوا في الحسبان الضمانات التي ينبغي توافرها من قبلهم إزاء أي اخلال بشروط العقد يقع من قبل أحدهما أو كلاهما.
ومن أبرز الضمانات التي ينبغي مراعاة إدراجها ضمن العقود على سبيل المثال:
1- الضمانات البنكية: وهي خطابات تصدرها الجهات المصرفية أو البنكية بناء على طلب أحد عملاءها لصالح المستفيد، يتعهد فيها البنك بدفع المبلغ المستحق للمستفيد في موعد ثابت، بناء على الاتفاق المبرم بينه وبين العميل، وبطبيعة الحال فأنه لا شأن للمستفيد بالشروط المنصوص عليها في الاتفاق الخاص بالضمان البنكي المبرم بين البنك والعميل، ولا يجوز الاحتجاج بها في مواجهته لأنها ليست ملزمة له. 

2- الضمانات الشخصية: هي عبارة عن اتفاق أو تعهد يلتزم بمقتضاه شخص أن يقوم بضمان الالتزامات المنصوص عليها في العقد وسدادها في حال عدم قدرة المتعاقد المسؤول على الوفاء بتلك الالتزامات. والامثلة عليها عديدة : منها السند لأمر والكمبيالة و الكفالة ..إلخ.
3- الضمانات العينية: وهو مال معين - منقول أو عقار - يتم تخصيصه من قبل المدين أو الغير، للوفاء بحق الدائن في حال عدم إداء المدين له عند استحقاقه.


4- السندات لأمر: لا يخفى على الكثير أن النمذجة الإلكترونية لبعض العقود ومنحها قوة السند التنفيذي، قلل من المنازعات القضائية بشأنها وما يترتب على تلك المنازعات من تكاليف زمنية وتكاليف مادية.
لذا يمكن وبالمقابل في العقود - العادية - أن صحت العبارة والتي لم يكسبها النظام صفة السند التنفيذي، الاستفادة من الأدوات النظامية الأخرى التي تعتبر سندات تنفيذية، وعلى رأسها السند لأمر، والذي يمكن الاعتماد عليه إضافة إلى العقد لسرعة اقتضاء الحقوق المالية المترتبة على العقد، وذلك من خلال تحرير سندات لأمر بقيمة الدفعات المستحقة وتواريخها حسب العقد، في حال إخلال الطرف المترتب عليه سداد الدفعة في العقد عن اداءها في موعدها. وهذا اللجوء لهذه الوسيلة من باب الاختصار وتجنب التقاضي باجراءته الاعتيادية والتي تترتب عليها كما اسلفنا تكاليف زمنية ومادية.

5- التعويض: أيضا من أهم الضمانات الواجب مراعاتها عند صياغة العقد هو أضافة بند التعويض المترتب على الضرر الناجم عن خرق أحد الطرفين لالتزاماته المنبثقة عن العقد، ولاشك أن التعويض لابد أن يكون عادلا ومبني على أساس سليم قانونيا وشرعيا، وإلا فأنه لابد من تدخل القاضي بما له من سلطة تقديرية، في إعادة التوازن للشرط أو إبطاله، خاصة إذا كان الشرط شرط إذعان، وقد سبق لنا الحديث عن شروط الإذعان في تدوينة سابقة ويمكنك أيها القارئ الكريم التفضل بالاطلاع على المزيد فيما يخص عقود الإذعان من هنا.

  • الجزاءات : أن تحديد مسألة الجزاءات المترتبة على إخلال احد الأطراف بالتزاماته التعاقدية من المسائل الهامة ، والجزاءات تختلف حسب الاتفاق فقد يكون الفسخ هو الجزاء أو الشرط الجزائي أو أي وسيلة أخرى يتفق عليها الأطراف، وفي ذلك قضت الدائرة التجارية الأولى بالمحكمة التجارية بمكة المكرمة برفض دعوى شركة رفعت دعواها للمطالبة بإلزام الشركة المدعى عليها بدفع المبالغ المتفق عليها بموجب مذكرة تفاهم أبرمت بينهما بشأن قيام المدعية بإنشاء علامة تجارية للمدعى عليها على أن تتحمل المدعى عليها تكاليف المنتج، وطالبة المدعية كذلك بتعويضها عنما لحق بها من إضرار لإخلال المدعى عليها بالمذكرة ولفسخها الاتفاق من تلقاء نفسها.

في حين ادعت الشركة الأخرى ان الشركة المدعية هي من اخلت بالتزاماتها وطالبت بإعادة المبالغ المسلمة للمدعية، وتعويضها عن الخسائر التي لحقت بها بسبب اخلال المدعية بالاتفاق.
 وحيث أنه لم يتم إبرام عقد بينهما، وحيث أن مذكرة التفاهم خلت من تحديد الجزاءات المترتبة على التأخر في تنفيذ الالتزامات المترتبة على الاتفاق، وحيث ان الدائرة رأت أن كلا الطرفين كان بإمكانه اتخاذ الإجراءات القانونية التي تحمي حقه وتجنبه الضرر، لذا فقد اعتبرت الدائرة أن كلا الطرفين مخل بالتزاماته اتجاه الطرف الآخر.

  • آلية فض المنازعات: أيضا من أهم البنود التي ينبغي الاتفاق عليها في العقد بند آلية فض النزاع والمحكمة المختصة، والملاحظ أن الكثير يلجؤون لتسوية النزاع من خلال آلية غير الآلية المتفق عليها في العقد، ما يدفع القضاة عادة إلى الحكم بعدم قبول الدعوى لوجود اتفاق ما في العقد على آلية محددة لحل النزاع.

  • القانون واجب التطبيق: هذا البند كثيرا ما تبرز الحاجة إليه في الاتفاقيات الخاصة بالتحكيم، أو اتفاقيات التجارة الدولية، والحقيقة أن البند له أهمية كبيرة حيث أنه يجنب أطراف العقد المخاطر التي قد تنطوي عليها النصوص القانونية، في حال كانوا يمارسون نشاطاتهم العقدية خارج بلدانهم.

ختاما البنود أو الشروط الاتفاقية التي يتم إدراجها في العقد، لا حصر لها ولا عد، ولكن يحكمها إطار عام هو القانون والشرع، ومبدا "التوزان العقدي" بين مصالح المتعاقدين، وحسن الصياغة لبنود العقد يملي على الصائغ له الإلمام بهذه الأساسيات، وغيرها من الأمور التي لابد من توافرها حتى يحصل الشخص على منتج قانوني سليم، يحقق الغاية من التعامل المبني عليه.


المراجع:

  • الحقيبة التدريبية لبرنامج صياغة العقود - تقديم المحامي حسان السيف - إصدار جمعية قضاء.
  • الجامع المختصر في صياغة العقود والاتفاقيات - إعداد عبد الرحمن فهد المقحم.
  • الوسيط في شرح القانون المدني - عبد الرزاق السنهوري - نظرية الالتزام بوجه عام.
  • دورة فن صياغة العقود للأعيان الوقفية - الشيخ / يوسف الحميد.
  • شروط العقد المخالفة لما عليه القضاء دراسة فقهية - إعداد د. فيصل السحيباني.
  • مقال الآثار القانونية - الضمانات الشخصية - الكشف عن الآثار القانونية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم