| بنود العقد |
عرجنا فيما سبق على الشروط العامة في العقد وذكرنا أن صحة العقد تتوقف على توافرها من عدمه، وذكرنا أيضا أنه في حال عدم توافرها فأن العقد يكون قابلا للإبطال كجزاء قانوني على غياب شرط من شروط صحته، وذكرنا أنها من وضع الشارع.وفي هذه التدوينه بمشيئة الله سنتعرف سويا على أهم ما ينبغي الإلمام به فيما يخص صياغة "الشروط أو البنود في العقد".
من المعلوم أن إرادة المتعاقدين هي مصدر القوة الملزمة للعقد فيكون الالتزام الناشئ عن العقد معادلا في قوته للالتزام الناشئ من القانون. وفي هذه السلسة بمشيئة الله سيكون الحديث منصبا على معرفة صياغة بنود العقود اللازمة، لأن العقود الجائزة بين الطرفين يحق لأطرافها المضي فيها قدوما أو تركها، ما لم يترتب على الترك ضرر للطرف الآخر، حينها تطبق القاعدة الكلية الكبرى "الضرر يزال"، وسنجيب كذلك على أهم الأسئلة المتعلقة بهذا الأمر بمشيئة الله:
الفرق بين الشرط والالتزام
الشرط: هو إلزام أحد المتعاقدين للآخر بما لا يلزمه إلا بمقتضى العقد.
الالتزام: هو الرابطة القانونية بين الدائن والمدين. وقد عرفه السنهوري بأنه "حالة قانونية يرتبط، بمقتضاها، شخص معين بنقل حق عيني او بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل".
إذا فالشرط هو الأداة التي يمكن من خلالها أن يبسط احد المتعاقدين إرادته على الآخر بالتراضي، أما الالتزام فهو المظلة أو العلاقة التي تجمعهما.
الشروط الجائزة والشروط الفاسدة
- الشروط الفاسدة:
- وهي التي تخالف شرع الله أو الأنظمة المرعية: قال صلى الله عليه وسلم "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق".
- الشروط التي تنافي مقتضى العقد: مثل أن يشترط البائع على المشتري ألا يبع السلعة أو يهبها. وهذا بطبيعة الحال يناقض طبيعة عقد البيع، من حيث حرية التصرف في الملك، حيث أن المشتري بعد تمام البيع تنتقل له ملكية المبيع وله حرية التصرف في ملكه كما يشاء دون قيد أو شرط.
- اشتراط عقد في عقد: وهذا يفسد البيع ويبطله في آن واحد لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه، مثل أن يقول البائع للمشتري بعتك داري بكذا على أن تبيعني مركبتك بكذا.
- الشروط الجائزة:
- خيار المجلس: أي أن للعاقدين حق فسخ العقد مادام مجلس البيع لم ينفض. ودل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما".
- خيار الشرط : وهو أن يشترط أحد الطرفين أو كلاهما على الآخر مدة معلومة يحق له فيها فسخ البيع. أما في حال عدم تحديد المدة فقد نصت المادة 106 من نظام المعاملات المدنية على "... وإذا لم تعين مدة الخيار عينتها المحكمة بحسب العرف وظروف العقد".
- خيار العيب: أن يجد العاقد عيب في السلعة، ويتضح له أنه كان موجودا فيها قبل العقد، حينها يحق للمشتري فسخ البيع أو إمساكه مع الأرش أو أن يرضى بالعيب فيسقط حقه في المطالبة بفسخ العقد.
- خيار الغبن: والعبرة هنا للغبن الفاحش، وقد سبق وأن تحدثنا عن الغبن في تدوينة سابقة، وذكرنا أنه من يعيب الإرادة (ركن التراضي) ويجعل العقد قابلا للإبطال. والغبن منهي عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخبار".
الجزاء القانوني المترتب على بطلان أحد الشروط في العقد
لا ريب أن الشروط الفاسدة أو الباطلة التي يضعها العاقدان، غير ملزمة ووجودها في العقد لا قيمة له، لذا فأن سقوطها متحتم، وهذا السقوط لا يمس باقي الشروط الصحيحة في العقد، فتبقى تلك الشروط ويبقى العقد ذاته قائما منتجا لآثاره ونافذا في حق العاقدان والغير.
الجزاء القانوني المترتب على الإخلال بأحد تلك الشروط
الجزاء هو الفسخ في العقود الملزمة للجانبين، وقد نصت المادة 107 من نظام المعاملات المدنية على "في العقود الملزمة للجانبين، إذا لم يوف أحد المتعاقدين بالتزامه، فللمتعاقد الآخر بعد إعذار المتعاقد المخل أن يطلب تنفيذ العقد او فسخه، مع التعويض في الحالتين إن كان له مقتض، وللمحكمة ان ترفض طلب الفسخ إذا كان الجزء الذي لم يوف به المخل قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام".
🔔 تنبيه : يتضح من نص المادة أن الإعذار شرط لقبول طلب الالزام بتنفيذ العقد أو طلب فسخه، لذا ينبغي التنبه لهذا الأمر قبل رفع الدعوى أمام المحكمة المختصة. ودل على أهمية أرسال خطاب الإعذار ما ورد في المادة 108 من النظام "... ، ولا يعفي هذا الاتفاق من الإعذار إلا إذا اتفق المتعاقدان صراحة على الإعفاء منه".
أبرز الشروط التي ينبغي الاتفاق عليها بين طرفي العقد: في الحقيقة يمكن تقسيم تلك الشروط إلى عدة فئات من أبرزها:
- شروط متفق عليها: وقد سبق الحديث عنها في الفقرة الخاصة بالشروط الجائزة.
- ضمانات العقد: لا شك أن جميع التعاملات محفوفة بالمخاطر، والظروف كل طرف ومدى قدرته على الوفاء بالالتزامات التي انشأها، لذا كان لزاما على أطراف العلاقة التعاقدية عند صياغة شروط العقد أن يضعوا في الحسبان الضمانات التي ينبغي توافرها من قبلهم إزاء أي اخلال بشروط العقد يقع من قبل أحدهما أو كلاهما.
- الجزاءات : أن تحديد مسألة الجزاءات المترتبة على إخلال احد الأطراف بالتزاماته التعاقدية من المسائل الهامة ، والجزاءات تختلف حسب الاتفاق فقد يكون الفسخ هو الجزاء أو الشرط الجزائي أو أي وسيلة أخرى يتفق عليها الأطراف، وفي ذلك قضت الدائرة التجارية الأولى بالمحكمة التجارية بمكة المكرمة برفض دعوى شركة رفعت دعواها للمطالبة بإلزام الشركة المدعى عليها بدفع المبالغ المتفق عليها بموجب مذكرة تفاهم أبرمت بينهما بشأن قيام المدعية بإنشاء علامة تجارية للمدعى عليها على أن تتحمل المدعى عليها تكاليف المنتج، وطالبة المدعية كذلك بتعويضها عنما لحق بها من إضرار لإخلال المدعى عليها بالمذكرة ولفسخها الاتفاق من تلقاء نفسها.
- آلية فض المنازعات: أيضا من أهم البنود التي ينبغي الاتفاق عليها في العقد بند آلية فض النزاع والمحكمة المختصة، والملاحظ أن الكثير يلجؤون لتسوية النزاع من خلال آلية غير الآلية المتفق عليها في العقد، ما يدفع القضاة عادة إلى الحكم بعدم قبول الدعوى لوجود اتفاق ما في العقد على آلية محددة لحل النزاع.
- القانون واجب التطبيق: هذا البند كثيرا ما تبرز الحاجة إليه في الاتفاقيات الخاصة بالتحكيم، أو اتفاقيات التجارة الدولية، والحقيقة أن البند له أهمية كبيرة حيث أنه يجنب أطراف العقد المخاطر التي قد تنطوي عليها النصوص القانونية، في حال كانوا يمارسون نشاطاتهم العقدية خارج بلدانهم.
ختاما البنود أو الشروط الاتفاقية التي يتم إدراجها في العقد، لا حصر لها ولا عد، ولكن يحكمها إطار عام هو القانون والشرع، ومبدا "التوزان العقدي" بين مصالح المتعاقدين، وحسن الصياغة لبنود العقد يملي على الصائغ له الإلمام بهذه الأساسيات، وغيرها من الأمور التي لابد من توافرها حتى يحصل الشخص على منتج قانوني سليم، يحقق الغاية من التعامل المبني عليه.
المراجع:
- الحقيبة التدريبية لبرنامج صياغة العقود - تقديم المحامي حسان السيف - إصدار جمعية قضاء.
- الجامع المختصر في صياغة العقود والاتفاقيات - إعداد عبد الرحمن فهد المقحم.
- الوسيط في شرح القانون المدني - عبد الرزاق السنهوري - نظرية الالتزام بوجه عام.
- دورة فن صياغة العقود للأعيان الوقفية - الشيخ / يوسف الحميد.
- شروط العقد المخالفة لما عليه القضاء دراسة فقهية - إعداد د. فيصل السحيباني.
- مقال الآثار القانونية - الضمانات الشخصية - الكشف عن الآثار القانونية.