بسم الله والحمد الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصبحه وسلم، في ظل التطورات القانونية والاقتصادية وخاصة بعد صدور نظام المعاملات المدنية السعودي الجديد، تأتي مسألة التأكيد على عدم اكتساب الشركات الفقهية المنصوص عليها في نظام المعاملات المدنية للشخصية المعنوية كأمر أساسي لحسم أي جدل قد يثار بشأن ذلك الأمر.
ما يعزز ويخدم تطور واستقرار بيئة العمل القانوني والاقتصادي في المملكة، ويقدم المزيد من الحماية القانونية للمستثمرين والمستهلكين، و يشجع الاستثمار والنمو الاقتصادي، وهذا كله يجعل تعميم الديوان الملكي بشأن هذه المسألة خطوة استباقية تهدف إلى تعزيز النمو والاستقرار الاقتصادي والقانوني في المملكة.
وتحظى الشركات الفقهية بدور أساسي في تنشيط الاقتصاد المحلي لا يقل شأنا عن الشركات النظامية، ولكن لتحقيق الحماية القانونية المثلى، ونظرا للطبيعة القانونية المختلفة للشركات النظامية عن الشركات الفقهية فأنه لا بد من تنظيم دقيق لقواعد اكتساب الشخصية المعنوية، وهذا ما جاء التعميم ليحسم الجدل بشأنه.

اضاءة حول تعميم الديوان الملكي بشأن عدم اكتساب الشركات في نظام المعاملات المدنية الشخصية الاعتبارية
نص تعميم الديوان الملكي رقم 68845 وتاريخ 23-9-1445هـ
...، كما أشير إلى كتاب الأمانة العامة لمجلس الوزراء رقم 13298 وتاريخ 9-9-1445هـ المرفقة به المعاملة المشتملة على برقية معالي وزير العدل رقم 456560187 في 14-5-1445هـ ومشفوعها الدراسة المعدة إنفاذا للبند "سابعا" المشار إليه، وما أوضحته الأمانة العامة من أن مجلس الوزراء اطلع على الموضوع في 9-9-1445هـ، ورأى الموافقة على ما انتهى إليه في مذكرة هيئة الخبراء بمجلس الوزراء رقم (2429) في 5-7-1445هـ من مناسبة ما انتهت إليه الدراسة سالفة الذكر من عدم اكتساب الشخصية الاعتبارية لهذه الشركات في ضوء ما أشير إليه من مبررات في هذه الدراسة. وحيث تمت الموافقة الكريمة على ما رآه مجلس الوزراء في هذا الشأن،..".
ما هي الشركات الفقهية أو عقود المشاركة وما أنواعها؟
عرف المنظم في المادة 529/1 من نظام المعاملات الشركة بصفة عامة بأنها "عقد يسهم بمقتضاه شريكان أو أكثر بتقديم حصة من مال أو عمل أو بهما معا في مشروع لاقتسام ما ينشأ عنه من ربح أو خسارة"، والحقيقة أن مفهوم الشركات الفقهية لا يخرج عن مفهوم الشركات وعقودها بصفة عامة.
أنواعها:
- عقد أو شركة المضاربة
- عقد المشاركة في الناتج.
ما المقصود بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة لها
الشخص في منظور القانون: هو كل من يصلح لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات. والشخص في نظر القانون قد يكون إنسان وقد يكون كيان معنوي مثل الشركات. والشخص الاعتباري يتمتع بخصائص ومميزات مشابهه للشخص الطبيعي مثل:
- الاسم
- والموطن
- والجنسية
- والذمة المالية
- والأهلية
- وحق التقاضي.
وتتكون الذمة المالية للشخص المعنوي من مجموع ما له وما عليه من أموال في الحال أو الاستقبال أو فيهما معا، وتستقل ذمة الشخص الاعتباري عن ذمة أصحابه أو أعضائه، إلا في بعض الحالات مثل شركات التضامن أو التوصية.
أما الشركات المشار إليها في نظام المعاملات المدنية هي ليست شخص طبيعي - بالتأكيد - كما انها ليست شخص اعتباري أو معنوي، إذا فيمكن اعتبارها شخصية قانونية "ثالثة" بجوار الشخص الطبيعي والشخص الاعتباري، لأن المنظم لم يمنحها صفة الشخص الاعتباري.
فمن المتعارف عليه أن ما ليس شخصا طبيعيا ولم يكتسب صفة الشخص الاعتباري، يأخذ شكل كيان تابع للدولة مثل الوزارات، أو بيت المال قديما، والأوقاف، والمساجد، فهي لها شخصية تتميز عن شخصية أعضائها، إلا أن الشركات الفقهية ليست مثل هذه الكيانات فهي من حيث الطبيعة أقرب في أوجه كثيرة إلى الشخصية الاعتبارية المتمثلة في الشركات النظامية، لكنها أيضا تختلف معها في أوجه أخرى.
لماذا تتمتع الشركة النظامية بذمة مالية مستقلة ولا تتمتع الشركة الفقهية بذات الميزة؟
الإجابة على هذا سؤال باختصار أن الشركات الفقهية بمفهومها البسيط لا تحتاج إلى فصل لذمتها المالية عن ذمة الشركاء ولا تحتاج إلى ذات التنظيم التشريعي الذي تحتاج إليه الشركات النظامية، فالأخيرة قابلة للتوسع والنمو كما انها قد تدير مجموعة متنوعة من الأنشطة الاقتصادية، بالاضافة إلى كبر حجم هذه الشركات في العادة.
حيث نجد أن بعض هذه الشركات تعتبر شركات اقليمية أو شركات عابرة للقارات، إذا فهي تحتاج إلى تنظيم قانوني وقضائي مختلف يراعي طبيعة وتنوع وصعوبة الأنشطة التي تديرها تلك الشركات في العصر الحديث، لذا وضع فقهاء القانون الوضعي أسس وأشكال قانونية لإدارة تلك الشركات تتناسب مع طبيعتها القانونية والاقتصادية، ما يجعلها قادرة على التوسع والعمل في بيئات قانونية واقتصادية مختلفة.
🚩إضاءة
جعل المنظم الكتابة في عقود الشركات الفقهية أو عقود المشاركة ركن من أركان العقد، حيث رتب المنظم على تخلف ذلك الركن بطلان العقد كاملا، إذا تمسك أحد الأطراف بحقه في طلب إبطال العقد حيث نصت المادة 528 من نظام المعاملات على "1- يجب أن تكون عقود المشاركة الواردة في هذا الباب مكتوبة، وإلا كانت باطلة، ولا يجوز أن يحتج المتعاقد بالبطلان اتجاه الغير، ولا يكون للبطلان أثر فيما بين المتعاقدين أنفسهم إلا إذا طلب أحدهم الحكم به، فيسري ذلك من تاريخ قيد الدعوى. 2- يسري حكم الفقرة (1) من هذه المادة على أي تعديل يطرأ على عقود المشاركة الواردة في هذا الباب ". وكنا قد تحدثنا عن أركان العقد في مقال سابق، يمكن الإطلاع عليه من خلال الضغط هنا، للتعرف على الفرق بين البطلان والقابلية للإبطال.
في ختام هذا المقال، لا شك أن تعميم الديوان الملكي سلط الضوء على مسألة مهمة بشأن عدم اكتساب الشركات في نظام المعاملات المدنية الشخصية الاعتبارية، حيث عالج التعميم أي جدل أو تفسير قانوني غير سليم ممكن أن يحدث أثناء التطبيق العملي لأحكام نظام المعاملات المدنية الجديد، وذلك لضمان استقرار المعاملات والمراكز القانونية، ولحفظ الحقوق وتطوير بيئة العمل القانوني والاقتصادي في المملكة.
المراجع:
- بحث بعنوان "الشخصية الاعتبارية"، خالد عبد العزيز الجريد.
- أصول القانون، عبد المنعم فرج الصده.
- الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، مصطفى الزرقا.
- نظرية الحق، عبد الحي حجازي.
- المدخل للعلوم القانونية، سليمان مرقس.
- المدخل إلى القانون، حسن كيره.