مبدأ العقد شريعة المتعاقدين Vs شروط الإذعان في عقد العمل


بسم الله والحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أن عقود العمل تحظى بأهمية كبيرة بين سائر العقود بسبب دورها الحيوي في تنظيم العلاقات العملية بين الأفراد وأصحاب العمل، تحدد هذه العقود الحقوق والواجبات لكل طرف، وتوفر إطارًا قانونيًا يحدد الشروط التي يتم بموجبها توظيف العامل وتعويضه عن خدماته.

تسهم عقود العمل أيضًا في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي من خلال توفير فرص عمل مستقرة ومنظمة، مما يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي للفرد وللمجتمع بشكل عام، بالإضافة إلى ذلك، تعمل هذه العقود على حماية حقوق العمال وضمان استفادتهم من الحوافز والفوائد المتفق عليها، مما يعزز من مستوى المعيشة والرفاهية.

لا يقتصر دور عقود العمل على تحديد الشروط القانونية والمالية فقط، بل تمتد أهميتها أيضًا إلى بناء علاقات مهنية مستدامة ومبنية على الثقة والاحترام المتبادل بين العامل وصاحب العمل. تساهم هذه العلاقات في تعزيز الإنتاجية وتحقيق أهداف المؤسسة بشكل أفضل وأكثر فعالية.



مبدأ العقد شريعة المتعاقدين Vs شروط الإذعان في عقد العمل

مبدأ العقد شريعة المتعاقدين Vs شروط الإذعان في عقد العمل

أثر شروط الإذعان السلبي على العلاقات العمالية

لا شك أن شروط الإذعان في عقود العمل تؤثر سلبًا على العلاقات العمالية وتزيد من حدوث النزاعات بين العمال وأصحاب العمل، بل هي أحد الأسباب الرئيسية لذلك، لعدم وضوح الشروط المنصوص عليها في العقد للعامل عند التعاقد، وتفسير تلك الشروط والبنود لصالح رب العمل فقط، مما يؤدي إلى خلافات ونزاعات حول حقوق والتزامات كلا منهما.

بالإضافة إلى ذلك، قد تكون بعض شروط الإذعان غير عادلة أو تنطوي على إجحاف كبير بحق العمال، مما يؤدي إلى استياء واحتجاجات من قبل قبلهم، على سبيل المثال، إذا كانت الشروط تتضمن تقديم تنازلات كبيرة من قبل العامل دون مقابل مناسب، فقد ينشأ نزاع حول مدى مشروعية هذه الشروط والتزاماتها قانونيًا.

حيث تؤدي شروط الإذعان إلى تفاوض ضعيف من جانب العمال، خاصة إذا كانوا يواجهون ظروفًا اقتصادية صعبة أو غير قادرين على تقديم تنازلات كبيرة، هذا قد يجعل العمال يشعرون بالظلم والاستغلال، مما يؤدي إلى تصاعد النزاعات والاحتجاجات للمطالبة بحقوقهم المشروعة وتحسين شروط العمل في المستقبل.


دور تطبيق المبادئ القانونية على عقد العمل في حماية العامل

أن تطبيق المبادئ القانونية على عقود العمل يعد أمرًا أساسيًا لضمان العدالة والشفافية في العلاقات العمالية بين العاملين وأصحاب العمل، وأحد هذه المبادئ هو مبدأ الحرية المطلقة في التعاقد، حيث يجب أن يتم توقيع العقد بموافقة طوعية من الطرفين دون أي تهديد أو إكراه، حيث أن هذا يضمن أن الشروط التي يتم التفاوض عليها تكون مقبولة وواضحة ومفهومة للجميع، مما يقلل من حدوث النزاعات في المستقبل.

كما يتضمن تطبيق المبادئ القانونية على عقود العمل مبدأ المساواة وعدم التمييز، حيث يجب أن تكون الشروط والأحكام المنصوص عليها في العقد عادلة، لأن هذا يساهم في تعزيز العدالة الاجتماعية وتحقيق فرص متساوية لجميع الأفراد في سوق العمل.

أيضا يعمل تطبيق المبادئ القانونية على حماية حقوق العمال وضمان استفادتهم الكاملة من الحقوق المنصوص عليها قانونًا ومن قبل الاتفاقيات الجماعية إن وجدت، هذا يشمل حقوق الأجور والإجازات والضمان الاجتماعي والحماية من التمييز والتعسف في إنهاء عقد العمل، وبتطبيق هذه المبادئ، يمكن تعزيز الثقة بين العمال وأصحاب العمل وتحقيق بيئة عمل مستدامة ومرضية للجميع.

أما المبدأ القانوني "العقد شريعة المتعاقدين" فأنه من المبادئ القانونية السائرة أن صحة العبارة في مجال التعاقدات بشتى أنواعها، لكن الأمر مختلف في عقود العمل، فأعمال مثل هذا المبدأ قد يكون صوريا فقط ولا يمت إلى الحقيقة بصلة.

 ذلك أن العامل في علاقة العمل هو الحلقة الأضعف لأنه خاضع لإشراف وتبعية صاحب العمل من جهة، وبسبب الظروف والالتزامات المعيشية التي تثقل كاهله من جهة أخرى وتجعله - لن نقول يقبل - يسلم بوجود بعض البنود في العقد لا تخدم مصلحته أو تنتقص منها، وتخدم مصلحة صاحب العمل فقط.

لهذا فأن الحماية القانونية تتركز وتتمحور حوله، وتطبيق المبدأ القانوني "العقد شريعة المتعاقدين" لا بد أن تكون محاطة بضمانات تحول دون تحول شروط عقد العمل إلى شروط إذعان.

وعقد الإذعان أيها القارئ الكريم هو ذلك العقد "الذي يكون القبول فيها مجرد إذعان لما يمليه الموجب، والقابل للعقد لم يقبله بعد أخذ ورد ومناقشة، بل هو في موقفه من الموجب لا يملك إلا أحد خيارين أم أن يأخذ وأما أن يدع، فركن الرضى وأن كان موجودا إلا أنه مجرد تسليم أكثر منه رضى حقيقي بالعقد".

وقد جرت العادة أن تعد الشركة نموذج موحد لعقد العمل، وهذا النموذج أما أن يقبله طالب التوظيف كما هو بما فيه من بنود وشروط غالبا ما يكون بعضها مجحف في حق العامل وإلا فإن الشركة لن تقوم بتوظيفه، فيكون الخيار الوحيد لطالب التوظيف هو التسليم وليس القبول واعتماد عقد العمل دون مناقشة أو تفاوض حول بنوده.

وكثيرا ما نلاحظ ذلك خاصة في البنود المتعلقة بالتعويض عن إنهاء عقد العمل محدد المدة، حيث نجد بعض الشركات تفرض على العامل تعويضها عن إنهاء عقد العمل قبل انتهاء مدته بكامل أجوره عن المدة المتبقية من العقد! وتضع بند آخر يخولها هي تعويض العامل عن إنهاء عقد العمل قبل انتهاء مدته بأجر شهرين من الأجر الأساسي فقط غير مضاف له أي بدلات، وغيره من البنود الغير متوازنة التي تضعها بعض الشركات في عقود العمل.

ولا شك أن مثل هذه الشروط تعتبر شروط إذعان وينطبق عليها نص المادة 96 من نظام المعاملات المدنية الجديد والتي نصت على "إذا تم العقد بطريق الإذعان وتضمن شروطا تعسفية، وللمحكمة أن تعدلها أو تعفي الطرف المذعن منها وفقا لما تقضيه العدالة. ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك".


 ولاشك أن خلو عقد العمل من شروط الإذعان لا يتأتى إلا وفق الضمانات التالية:

  1. التوقيع الحر: يجب أن يكون التوقيع على العقد من طرف العامل دون تهديد أو إكراه.
  2. القبول الواضح: يجب أن يكون العامل قد قبل الشروط والأحكام المنصوص عليها في العقد دون أي تردد.
  3. القدرة القانونية: يجب أن يكون العامل قادرًا قانونيًا على التعاقد والموافقة على الشروط دون أية عوائق قانونية.
  4. الوقت الكافي: منح العامل الوقت الكافي لاستشارة محامٍ قبل توقيع عقد للتأكد من أن جميع الشروط تتوافق مع القوانين وحقوق العامل.

ختاما تجنب إدراج شروط الإذعان في عقد العمل له أهمية كبرى في تحسين صحة العلاقة العمالية، بفضل توقيع العقد بإرادة حرة وموافقة واضحة، حيث يتأكد تمامًا أن الأطراف موافقون وملتزمون بالشروط المحددة بدقة، مما يعزز الشفافية ويقوي الثقة بين الطرفين، ويساعدهم على مراعاة واحترام هذه الشروط، كما يُسهم في بناء علاقات عمل مستقرة ومنصفة، مع الحرص على احترام حقوق كل طرف بما يتوافق مع التشريعات والقوانين ويقلل من النزاعات العمالية.


المراجع:

الوسيط في شرح القانون المدني – د. عبد الرزاق السنهوري.



إرسال تعليق

أحدث أقدم