بعد دخول نظام المعاملات المدنية حيز النفاذ، يطرح سؤال في غاية الأهمية، حول هل مدد التقادم المنصوص عليها في النظام ستطبق بأثر رجعي أم بأثر فوري؟ وذلك لما للأمر من أهمية بالغة خاصة فيما يتعلق باحتساب مدد تقادم المطالبة بالحقوق أمام القضاء، حيث من المعلوم أن الحق لا يسقط، لكن سماع الدعوى أمام القضاء يسقط بالتقادم.
وفي ضوء ما سبق وجب الانتباه للنصوص القانونية المنظمة لمدد التقادم، لأن القاعدة "أن الجهل بالقانون ليس بعذر"، ولا يخفى أن الأنظمة والقوانين تطبق بأثر فوري لأسباب عدة تتوافق جميعها مع مبادئ العدل والأنصاف ومن تلك الأسباب ما يلي:
- منع ازدواجية القوانين المطبقة على المراكز القانونية المتساوية.
- كما أنه يحافظ على استقرار المعاملات التي تم اكتسابها في ظل القانون القديم أو السابق.
مبدأ عدم رجعية القوانين:
مبدأ عدم رجعية القوانين وتطبيقها بأثر فوري من المبادئ القانونية الراسخة، بل أنها من المبادئ الدستورية في المملكة وفي معظم قوانين وتشريعات العالم، حيث نصت المادة 71 من النظام الأساسي للحكم على "تنشر الأنظمة في الجريدة الرسمية، وتكون نافذة المفعول من تاريخ نشرها، ما لم ينص على تاريخ آخر"، وهذا المبدأ له ارتباط وثيق بأسس ومبادئ العدالة، وقد يرى البعض أن هذا المبدأ متفرع عن المبدأ القانوني والدستوري الذي يقضي "ألا جريمة ولا عقوبة إلا بنص".
وبصرف النظر عن مصدر هذه القاعد القانونية إلا أن هذا المبدأ والذي يعد قاعدة عامة فيما يتعلق بتطبيق الأنظمة والقوانين شأنه شأن أي مبدأ قانوني أو فضائي آخر توجد له استثناءات لا يطبق فيها ذلك المبدأ، ومن ذلك عدم تطبيقه في المعاملات المدنية وذلك بموجب نص نظامي صريح صدر بهذا الشأن.
الاستثناءات على تطبيق مبدأ عدم رجعية القوانين:
- النص الصريح على الرجعية.
- في القانون الجنائي يطبق القانون الأصلح للمتهم.
- القوانين التفسيرية تطبق بأثر رجعي ما لم يكتسب الحكم القطعية.
- القوانين المتعلقة بالنظام العام والتي تحمي المصلحة العامة تسري بأثر رجعي.
تطبيق نظام المعاملات المدنية:
النظام جاء واضحا فيما يتعلق بتطبيقه من حيث الزمان، حيث نص فيه صراحة على أنه سيسري على جميع الوقائع السابقة واللاحقة على صدوره، أي أنه سيسري بأثر رجعي وليس فوري كاستثناء من القاعدة العامة وهي "عدم رجعية القوانين" وانطباقها بأثر فوري على الوقائع والأحداث التي حصلت بعد صدورها وليس قبله.
ولكن ما سبب تطبيق نظام المعاملات المدنية السعودي بأثر رجعي:
والحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال تقتضي المحاولة والاجتهاد في فهم مقصد المنظم السعودي من النص في النظام على تطبيقه بأثر رجعي، لكن لعل من التفسيرات التي لها وجاهتها في هذا الشأن أن نظام المعاملات المدنية أنما هو في الأصل "تقنين"، ويقصد بالتقنين عملية ترتيب وتنظيم القوانين في مدونة (قاموس المعاني الإلكتروني)، وهذا الأمر يمكن لمن اطلع على النظام التفطن له منذ الوهلة الأولى لقراءته لمواده.
إذا فالأحكام القانونية التي انطوى عليها نظام المعاملات المدنية ليست أحكام قانونية جديدة حتى تطبق بأثر فوري، أسوة بباقي القوانين التي جاءت نصوصها بأحكام قانونية جديدة، لذا فهو لا يعدو أن يكون عبارة عن مجموعة أحكام ومبادئ قانونية مأخوذة من الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية المقارنة و الاجتهادات والمبادئ القضائية، والتي كانت جميعها مطبقة سابقا وجاء النظام وقننها ورتبها ودونها، اختصارا للوقت والمجهود ولتوحيد الحكم القانوني على النوازل المتشابهة، وقد أحسن المنظم السعودي صنعا بالنص على انطباق النظام باثر رجعي، لأن بعض من مبادئه وأحكامه كما اسلفنا كانت مطبقه بالفعل قبل صدوره.
الاستثناءات على تطبيق نظام المعاملات المدنية بأثر رجعي:
نصت مواد الإصدار الخاصة بنظام المعاملات المدنية السعودي - وهي المواد التي تأتي في بداية كل نظام - في البند خامسا على ما يلي: تسري أحكام نظام المعاملات المدنية على جميع الوقائع التي حدثت قبل العمل به وذلك باستثناء ما يأتي:
- إذا وجد نص نظامي أو مبدأ قضائي يتعلق بالواقعة بما يخالف أحكام هذا النظام وتمسك به أحد الأطراف.
- إذا الحكم يتعلق بمدة لمرور الزمن المانع من سماع الدعوى بدأ سريانها قبل العمل بهذا النظام.
🚩 ويفهم من الاستثناء الأول على تطبيق أحكام النظام بأثر رجعي هو ضرورة وجود نص نظامي سابق على نص الذي جاء في نظام المعاملات المدنية بشأن الواقعة محل النزاع. ومعلوم أن القاعدة القانونية تقضي "أن النص الخاص يقيد النص العام" لذا فإن وجود ذلك النص يحول دون تطبيق الشريعة العامة أي النص الوارد في نظام المعاملات المدنية، حيث نظام المعاملات يعتبر نظاما عاما، شأنه شأن نظام المرافعات الذي لا تطبق مواده إلا في غياب النص الخاص.
🚩 أيضا يستشف من الاستثناء الأول على سريان النظام بأثر رجعي ضرورة وجود مبدأ قضائي سابق يتعلق بالواقعة، ويشترط للاحتكام إليه وتطبيقه بدلا من تطبيق النص النظامي الوارد في نظام المعاملات المدنية تمسك أحد الأطراف بذلك أي أن هذا الدفع لا يتعلق بالنظام العام ولن تدفع به المحكمة من تلقاء نفسها ولابد ان يدفع به صاحب المصلحة.
🚩 أما الاستثناء الثاني وهو الأخطر الذي ورد على سريان النظام بأثر رجعي هو أن تكون مدة التقادم قد نص عليها في أحد الأنظمة الصادرة والمعمول بها قبل نظام المعاملات المدنية وبدأت في السريان بالفعل، ثم دخل نظام المعاملات المدنية حيز النفاذ ونص على مدة تقادم أخرى ففي هذه الحال تطبق مدة التقادم التي نص عليها النظام القديم ولا تطبق مدة التقادم التي نص عليها نظام المعاملات المدنية.
لذا من المهم جدا الانتباه لهذه المسألة الهامة حتى لا يتقدم صاحب المصلحة إلى المحكمة المختصة بدعوى ظنا منه أن مدة التقادم هي تلك التي نص عليها نظام المعاملات المدنية الجديد، وأن المدة لم تنتهي بعد، ثم يتفاجأ بأن تحكم المحكمة بعدم قبول دعواه التقادم الحق في سماعها.