
الجمع بين التعويض عن الضرر المادي والضرر المعنوي

محتويات المقال:
- المقدمة
- التعريف بالضرر المعنوي وصوره
- طرق تقدير الضرر المعنوي
- انتقال الحق في المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي للورثة
- الجمع بين طلبي التعويض عن الضرر المادي والمعنوي
- ما تأخذه المحكمة في الحسبان عند تقدير التعويض عن الضرر المعنوي
- الخاتمة
- المراجع
المقدمة:
التعويض عن الضرر المعنوي: حسم نظام المعاملات المدنية السعودي الجديد الجدل الذي كان موجودا في الأوساط القانونية سابقا بشأن جواز التعويض عن الضرر المعنوي بين مؤيد ومعارض له نظرا لصعوبة تقدير التعويض العادل عن الضرر المعنوي والوقوف على أبعاده المادية لأنه ضرر نفسي قد لا يقف عند حد معين، ومع ذلك فقد أرسى النظام حكما واضحا في هذه المسألة بجواز التعويض عن ما يلحق الشخص الطبيعي من ضرر معنوي جراء فعلا ضارا لحق به. حيث نصت المادة 138 من النظام على "1- يشمل التعويض عن الفعل الضار التعويض عن الضرر المعنوي".
لكن ما هو الضرر المعنوي وماهي صوره؟
ويمكن التعريف عنه باختصار بأنه "كل أذى يصيب الإنسان في عرضه، أو شعوره، أو عاطفته" أي أنه الضرر الذي لا يصيب الشخص في ماله.
وله صور لا حصر لها ولا عد ومنها على سبيل المثال القذف، أو السب أو الشتم، والمساس بالسمعة، أو التحقير في المكانة، ومن صوره أيضا الآلام التي يشعر بها الإنسان جراء الأخطاء الطبية وغيره من الأضرار التي قد لا يتسع المقام هنا لسردها جميعا.
وماهي طريقة تقديره؟ وهل التعويض يكون بالمال فقط؟
- هناك طرق مختلفة لتقدير الضرر المعنوي تحدث عنها الشراح وفقهاء القانون الوضعي وغيرهم، ومن أبرز تلك الطرق وأشهرها طريقة "التعويض الجزافي" وهي طريقة يقوم القاضي من خلالها بتقدير التعويض جزافا حسب تقديره هو للتعويض العادل، دون الدخول في تفصيل احتسابه، والتعويض بهذه الطريقة، قد يحقق مقتضيات العدالة لأنه يركز على فكرة جبر الضرر حتى ولو كان مقدار التعويض أقل أو أكثر من الضرر نفسه.
وهذا النهج أفضل من إهدار الحق والحكم بعدم استحقاق التعويض عن الضرر المعنوي بحجة عدم القدرة على ضبطه وتقديره خاصة في ظل التقدم العلمي والتكنالوجي الحاصل في جميع المجالات، فالبحث العلمي كفيل بطرح حلول لمشاكل من هذا النوع، فيمكن أن يصبح ما كان بالأمس واليوم عسيرا على الضبط والتقدير يسيرا عليه في وقت لاحق.
أيضا يؤكد على صحة هذا النهج فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث استعمل هذه الطريقة حين أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بأن يدفع عشرين صاعا لزيد بن سعنة حين روعه لحديثه مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل حديثه مع باقي الناس، فسأل يزيد عمر بعد أن عوضه عن سبب تلك الزيادة فقال له عمر -رضي الله عنه- "أمرني رسول الله أن أزيدك مكان مارعتك". والتعويض هنا عنما أصاب الرجل من روع وهذا لا شك يعد ضررا معنويا.
وكذلك فعل الخلفاء الراشدين من بعده حيث دفع امير المؤمنين عمر -رضي الله- عنه أربعين درهما لمن فزع فأحدث عندما كان يقص شاربه، حيث قال عمر -رضي الله- عنه للرجل "أما أنا لم نرد هذا، ولكن سنعقلها". والضرر هنا ضرر معنوي أيضا لأن الحدث يعد أمرا مخجلا عند العرب وكثير من الشعوب.
- والتعويض عن الضرر المعنوي يقدر بالنقد أي المال أو النقود إلا أن للمحكمة بما أن مسألة التعويض أصلا داخلة في سلطة القاضي التقديرية لها أن تحكم بالتعويض الذي تراه تعويضا عادلا جابرا للضرر، سواء كان بالنقد أو بالمثل أو بإعادة الوضع إلى ما كان عليه أو أن تحكم بأمر معين متصل بالفعل الضار نفسه. وكذلك للمضرور له أن يطلب من المحكمة تعويضه بالمثل أو بإعادة الوضع على ما كان عليه.
وهل يحق لورثة المضرور المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي الذي لحق بمورثهم؟
عالج النظام هذا الأمر بشكل واضح حيث جعل الحق في الحصول على التعويض عن الضرر المعنوي شخصيا لا ينتقل إلى الغير إلا بوجود حكم قضائي أو اتفاق بين مورثهم وبين من أضر به أو بموجب نص نظامي. مغلقا الباب بذلك في وجه المطالبات التي قد تنشأ بسبب طمع بعض الورثة ورغبتهم في زيادة مقدار التركة دون وجه حق.
نأتي الآن إلى السؤال الأهم هل يجوز الجمع بين طلب التعويض عن الضرر المادي والتعويض عن الضرر المعنوي؟
الحقيقة أن نظام المعاملات المدنية لم يتطرق لهذه المسألة تحديدا وما دام أنه لم يتطرق لها إذا فسلطة القاضي التقديرية تتسع في هذه الحالة لغياب نص صريح يعالج مسألة الجمع.
- ولكن نجد أن نظام الإجراءات الجزائية كان سباقا في هذا الشأن حيث نصت المادة 207 على "كل حكم صادر بعدم الإدانة - بناء على طلب إعادة النظر- يجب أن يتضمن تعويضا معنويا وماديا للمحكوم عليه لما أصابه من ضرر، إذا طلب ذلك".
إذا فيما يخص القضاء الجنائي فالأمر فيه محسوم بنظامية الجمع بين التعويضين جبرا للضرر شريطة طلب ذلك.
- وكذلك الحال في القضاء التجاري حيث نصت المادة 164 من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية على "يجب على المحكمة أن تضمن حكمها في الموضوع الفصل في طلب التعويض عن الاضرار المادية والمعنوية بما في ذلك مصاريف التقاضي وتراعي المحكمة في تقدير التعويض الآتي: أ- جسامة الضرر ب- مقدار المبلغ المحكوم به ج- مماطلة المحكوم عليه د- العرف أو العادة المستقرة هـ - رأي الخبير عند الاقتضاء".
- أما القضاء المدني فالأمر ليس فيه بهذا الوضوح، ولكن مما لا خلاف عليه أن الخطأ متى ما سبب ضررا فأنه ينبغي جبر ذلك الضرر أي كان نوعه - مادي أو معنوي أو مادي ومعنوي في آن واحد- فالقاعدة أن "الضر يزال" ومتى ما ثبتت أركان المسئولية المدنية من خطأ وضرر وعلاقة سببية فإن التعويض يصبح لازما، وأن كان تحديد مقداره يرجع لسلطة القاضي التقديرية.
- وفي ضوء ما سبق نخلص إلى أنه لا يوجد ما يمنع الجمع بين التعويض عن الضرر المادي والتعويض عن الضرر المعنوي متى ما ثبت حصول الضررين جبرا لهما.
ما هي الاعتبارات التي تراعيها المحكمة لدى تقدير التعويض عن الضرر المعنوي؟
يراعي القاضي لدى تقديره للتعويض ما يلي:
- نوع الضرر المعنوي.
- وطبيعته.
- وشخص المتضرر.
الخاتمة:
بعد أن تحدثنا فيما سبق عن الضرر المعنوي وطرق تقديره، يبقى هناك سؤال مطروح في ضوء ما ورد في نص الفقرة الثانية من المادة 138 من نظام المعاملات المدنية والتي نصت على "يشمل الضرر المعنوي ما يلحق الشخص ذا الصفة الطبيعية...إلخ"، هل نظام المعاملات المدنية جعل الحق في الحصول على التعويض عن الضرر المعنوي للشخص الطبيعي فقط دون الشخص الاعتباري، أم سنرى مبادئ قضائية تفسر لنا مقصد المنظم في هذه المادة، وتقر الحق في الحصول على التعويض عن الضرر المعنوي أيضا للشخصية الاعتبارية؟.
المراجع:
- طرق تقدير التعويض عن الضرر المعنوي - بحث محكم - إعداد الدكتور. منصور الحيدري.
- الضرر المعنوي وتعويضه في الفقه الإسلامي - تأليف د. فاروق عبدالله كريم.
- التعويض عن الضرر المعنوي - إعداد الدكتور. عبد الملك العسكر.
- https://youtu.be/0-CjF4DPnaM?si=w5Oux4oDFjHL_B5-