كيف تصوغ عقدا متكاملا باحترافية: أسرار الصياغة وأهم البنود | المهارة رقم 5


الصياغة الاحترافية تتأتى من خلال وجود بنود تغطي الغرض من العقد - بشكل كامل- وتوفر المطلوب منه وتحقق أهداف أطرافه، لذا؛ يتوجب على الصائغ المحترف الإلمام بأهم البنود أو الأسرار التي تختصر على أطراف العقد الوقت والمجهود وتجنبهم أي تكاليف إضافية قد تكون ناشئة عن سوء صياغة العقد أو إغفال بنود جوهرية فيه، وتغنيهم كذلك عن الخوض في المنازعات والخلافات، التي قد تؤدي إلى خسائر تجارية لا عد و لها ولا حصر، وفي هذا المقال سوف نتحدث عن أهم أسرار صياغة بنود العقد الاحترافية.


أسرار الصياغة المتكاملة
أسرار بسيطة لإحتراف صياغة العقود

السر الأول: لغة العقد الجيدة:

لا بد أن تتسم اللغة المستخدمة في العقد بالوضوح والاختصار والدقة، حيث أن تلك العناصر تعتبر من العناصر الأساسية في صياغة العقود القانونية، وبدونها قد يخطأ أطراف العقد في تفسير بنوده أو يقوموا بتفسير تلك البنود بطرق مختلفة تنافي الغاية من العقد، مما يفضي بلا شك إلى خلافات ونزاعات قد تحدث - لا قدر الله - في المستقبل ، وهذا ما نود أن يتعلم صائغ العقد تجنبه من خلال احتراف الصياغة الجيدة للعقود بمختلف أنواعها.

ومما لا شك فيه أن الوضوح في العقود يتحقق من خلال عرض البنود والشروط بلغة بسيطة ومفهومة، بحيث يمكن للأطراف فهمها دون الحاجة إلى تفسيرات معقدة، وعندما يتم فهم العقد بوضوح، يكون لذلك عظيم الأثر في الحد من امكانية حدوث النزاعات أو التأويلات الخاطئة لبنود العقد أثناء مرحلة تنفيذه.

أما الاختصار في صياغة العقود فله أهمية كبيرة، حيث يسهم في جعلها أقل تعقيدًا وأكثر فعالية، لأنه عادةً ما يفضل الأطراف أن تكون العبارات مختصرة ومباشرة وتعبر عن غرضهم من العقد دون الأسهاب أو التطرق لأمور ليس محلها وثيقة العقد، لذا لا بد من تجنب الجمل الزائدة التي تؤدي إلى تشويش وتعقيد النص، ما يزيد من احتمالية التفسيرات المتعددة والخلافات المحتدمة - لا قدر الله - ،  و بوجود عنصري الوضوح والاختصار يتحقق عنصر الدقة بالتأكيد.


السر الثاني: بند التعريفات والمصطلحات في العقد "البند المهمل":

هذا البند من البنود المهملة  في العقود رغم أنه من الضرورات التي تقتضيها الصياغة الإحترافية، حيث يساعد هذا البند على تحديد معاني المصطلحات الفنية وغيرها المستخدمة في العقد بشكل دقيق وواضح، لتحقيق الأهداف الأساسية للصياغة الجيدة وهي حسن تنفيذ العقد، وتحقيق الغرض منه، وتجنيب الأطراف الوقوع في اللبس والتفسيرات المختلفة للمصطلحات، مما يقلل من احتمالية حدوث الخلافات والنزاعات.

عادةً ما يتضمن بند التعريفات والمصطلحات في العقد تحديد للكلمات والعبارات الرئيسية التي ستستخدم في العقد، مع توضيح معانيها وتفسيراتها الدقيقة، ويهدف هذا البند إلى توحيد الفهم والتفاهم بين الأطراف حول المصطلحات المستخدمة، مما يقلل من التفسيرات الخاطئة لبنود العقد أثناء مرحلة التنفيذ والمتابعة، لأنه في الغالب يتم تنفيذ العقود من قبل أشخاص ليسوا على دراية كافية بالمصطلحات القانونية، ووجود هذا البند يساهم كثيرا في حسن تنفيذ بنود العقد.

وبشكل عام وجود بند التعريفات والمصطلحات، يمكن الأطراف اللجوء إليه عندما تحدث أية جدالات أو تفسيرات غير متوقعة للمصطلحات المستخدمة في العقد، وبذلك، يعمل هذا البند كأداة مهمة لضمان وضوح وفهم متبادل بين الأطراف، مما يسهم في سرعة التنفيذ وتعزيز قوة وسلامة العقد بشكل عام.


السر الثالث: بند التمهيد "حجر الزاوية في العقود ":

سر العقد الجيد يكمن في التمهيد الجيد للعقد، لأن هذا البند يعتبر بمثابة البوابة الأولى التي يدخل من خلالها الأطراف إلى مرحلة الاتفاق والتعاقد، لذا؛ فالعناية به وصياغته بشكل مختصر وواضح ودقيق، تجنب الأطراف مشاكل شائعة في العقود مثل الغش والتدليس، حيث  يهدف هذا البند إلى توضيح الغرض والأهداف من إبرام العقد، وتحديد السياق العام للعلاقة التعاقدية بين الأطراف، و يمكن أن يحتوي بند التمهيد على وصف دقيقا للمحل العقد وسببه والغرض منه، بالإضافة إلى توضيح الظروف التي أدت إلى إبرامه، ويعد هذا البند أساسي لتأسيس فهم صحيح وشامل لمضمون العقد وما يتوقع من تنفيذه.

ولصياغته بطريقة جيدة لابد من الاهتمام بتوجيه العبارات بشكل دقيق وواضح، حيث يمكن أن يؤثر أي تضارب أو عدم وضوح في هذا الجزء على تفسير الأطراف لبقية بنود العقد، ومن المهم أن يتمثل الهدف الرئيسي لهذا البند في توجيه الأطراف نحو فهم صحيح لاهداف ومتطلبات العقد قبل أن ينتقلوا إلى التفاصيل الدقيقة للاتفاقية أو العقد.


السر الرابع: بند ضمان العيوب "الطريق المختصر لحل النزاعات": 

أيضا من البنود الجوهرية التي تسهم في حل النزاعات الشائعة مثل وجود العيوب أو مشاكل سوء التنفيذ وغيرها، بند الضمان ولهذا البند أهمية في تحقيق ما يلي:

  • الحماية القانونية لحقوق أطراف العقد.
  • تحديد الطرف المسؤول عن ضمان محل التعاقد والتعويض خلال فترة الضمان.
  • هذا البند لا غنى عنه في التعاملات التجارية وأصبح العمل به من المسلمات.

👈 ملاحظة: الأنتباه إلى فترة الضمان أمر هام جدا، فكثير من المنازعات القضائية انتهت إلى الرفض بسبب عدم طلب ضمان محل التعاقد أثناء فترة الضمان المحددة في العقد، ومن ذلك ما حكمت به الدائرة التجارية الثالثة عشرة من رفض لدعوى قدمتها إحدى الشركات تطالب فيها الشركة المدعى عليها بالتعويض عن الخسائر التي تكبدتها بسبب سوء تنفيذ المدعى عليها للاعمال المتعاقد عليها، حيث سببت الدائرة حكمها  بالرفض بأن مدة الضمان المنصوص عليها في العقد قد انتهت.


السر الخامس: وضع خيار الشرط في العقد "لفسخ العقود الملزمة":

من المهم جدا عدم إغفال إدراج "خيار الشرط" في العقود الملزمة، لأنه أيسر طريق لفسخ العقد في حالات التأخير التي قد تحدث لأسباب خارجة عن أرادة أطراف العقد، وفي الوقت ذاته لا يمكن تطبيق الشرط الجزائي وغيره من الجزاءات المنصوص عليها في العقد، لأنه لا توجد مخالفة حدثت من أطراف العقد كالمماطلة أو ظهور العيوب.

وفي مثل هذه الحالات، ونظرا لأهمية عامل الزمن في المعاملات التجارية خاصة، قد يرغب أطراف العقد أو أحدهم في فسخ العقد واسترداد المبالغ المدفوعة، لكنه قد يصدم بعدم أمكانية فسخ العقد لكونه ملزما للطرفين، ولخلو العقد من بند "خيار الشرط".

وفي ذلك قضت المحكمة العامة في محافظة أبي عريش في المملكة العربية السعودية  في حكمها في القضية رقم 3440228 لعام 1434هـ برفض الدعوى التي أقامها مشتري عقار على بائع ذلك العقار، حيث طالب المشتري برد العربون لتركه البيع، ورفضت المحكمة دعواه مسببة حكمها بأن العربون لا يرد إذا كان ترك الشراء من قبل المشتري بنفسه وليس هناك عيب في ذلك ولا مماطلة من البائع، استنادا على القاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا"، فالعرف عدم رد العربون عند التجار ما لم يكن ثمة عيب.


السر السادس: بند السرية " يكفل الحق في التعويض": 

من أسرار الكتابة الجيدة للعقد عدم إغفال بند سرية المعلومات في العقد، لأن هذا البند يعد أساسياً لحماية مصالح الأطراف المتعاقدة وسلامة المعلومات الحساسة، حيث يحدد هذا البند نوع المعلومات التي يجب أن تبقى سرية، وشروط استخدامها ونقلها و حفظها وتداولها وحذفها ..إلخ، لتجنب النزاع حول إفشاء سرية المعلومات وحفاظاً على الثقة بين الأطراف ومنعاً للاستخدام غير المشروع للبيانات والمعلومات والأسرار المهنية وحقوق الملكية الفكرية وغيرها ...إلخ، ومما ينبغي مراعاته عند صياغة هذا البند:

  1. يجب تحديد نطاق المعلومات السرية بدقة.
  2. ينبغي تحديد الإجراءات للحفاظ على السرية، مثل تقييد الوصول و استخدام التشفير...إلخ.
  3. يجب تحديد مدة سريان البند بعد انتهاء العقد.

كما اسلفنا هذا البند لا غنى عنه  لتعزيز الثقة بين أطراف العقد والحد من مخاطر التسريبات أو الاستخدام غير المشروع للمعلومات التعاقدية الحساسة، ولتحقيق الحماية القانونية من الأضرار المترتبة على عدم الالتزام بسرية المعلومات وحفظها.


تحدثنا فيما سبق عن ستة أسرار يؤدي إتقانها إلى إتقان مهارة الصياغة المتكاملة للعقود، وذكرنا منها استخدام لغة قانونية دقيقة وواضحة، والتعريف بالمصطلحات الهامة في العقد،كذلك الصياغة المتكاملة لبند التنهيد، وعدم إغفال بنود هامة وشائعة الإستخدام مثل بند ضمان العيوب وإضافة خيار الشرط للعقد، وضرورة وجود بند سرية المعلومات.

ونود ان ننبه دائما إلى ضرورة، أخذ الاستشارة من المختصين وخبراء القانون ما أمكن ذلك، لأنها قد تكون ضرورية لضمان صحة وفاعلية العقد، مما يضمن تحقيق الأهداف المنشودة وتفادي أي مشكلات قد تحدث في المستقبل - لا قدر الله -، وسنكمل الحديث بمشيئة الله في المقال القادم عن باقي أسرار الصياغة الأحترافية للعقود.


أهم المراجع:

مجموعة الأحكام القضائية، لعام 1435هـ، المجلد الأول.


إرسال تعليق

أحدث أقدم