الأقوال المشهورة في قبول شهادة العامل لرب عمله وقبول القضاء لشهادته

 

بسم لله و الحمدلله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، تحتل الشهادة مكانة بارزة ضمن وسائل الإثبات القضائية، حيث ورد ذكرها في القرآن الكريم لقول الحق سبحانه وتعالى "واشهدوا إذا تبايعتم" والسنة النبوية الشريفة لقوله صلى الله عليه وسلم "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت، والاستعانة بها من قبل أصحاب الحق للتدليل على صحة مطالبهم من الأمور الشائعة، لذا فأنها تعد من أهم وسائل الإثبات التي يكثر اللجوء إليها، فالقاعدة الشرعية تقضي "أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر".


الأقوال المشهورة في قبول شهادة العامل لرب عمله | نظام الإثبات

الأقوال المشهورة في قبول شهادة العامل لرب عمله قبول القضاء لشهادته


ولأن عبء إحضار البينة أو "وسيلة الإثبات" يقع على من ادعى بأمر يحتاج إلى دليل لثبوته، لذا نرى الكثير يلجؤون إلى الاستعانة بشهود لإثبات أو نفي واقعة ما، إلا أن أولئك الشهود قد تعتريهم عوارض أو موانع سماع الشهادة، ومن أولئك الفئات فئة العمال أو ما اصطلح على تسميته فقها "الأجير الخاص".

ووسائل الإثبات معروفة وهي الإقرار, والشهادة، والكتابة، والمعاينة والخبرة، والقرائن وحجية الأمر المقضي، والدليل الرقمي، والعرف، واليمين. وما سنتطرق له بالحديث في هذه التدوينة بمشيئة الله هو شهادة العامل أو الأجير الخاص لصاحب العمل، والآراء الفقهية المؤيدة والمعارضة للأخذ بشهادة العامل لرب عمله.

وكما سبقت الإشارة إليه أنه كثيرا ما يلجا لمثل هذه الشهادة، والتي كقاعدة عامة لا تقبل لأنها مظنة تهمة، فالعامل قد يؤديها دفعا للضرر عنه، أو لجلب الخير لنفسه أو لمن استأجره، لأن العامل هو الحلقة الأضعف في العلاقة العمالية لذلك فشهادته لصاحب العمل لدى الجمهور غير مقبولة بل ومكروهة، ومعلوما "أن الدليل متى تطرق له الاحتمال بطل به الاستدلال".


📌ولكن الشراح قد اختلفوا في تفسير قبول شهادة العامل لصاحب العمل من عدمها:

وقبل الخوض في الآراء التي قيلت بهذا الصدد، لا بد من ذكر شروط الشهادة وموانعها حسبما نصت عليه المادة 71 من نظام الإثبات:

  • شروط الشهادة وموانعها
  1. ألا يكون عمر الشاهد دون 15 عاما.
  2. أن يكون الشاهد سليم الإدراك.
  3. ألا تكون الشهادة تجلب نفعا للشاهد  أو تدفع عنه ضررا.
  4. لا يكون أصلا للمشهود لصالحه ولا فرع له ولا زوجا له حتى ولو افترقا، ولا ولي أو وصيا عليه.
  5. ولا تقبل شهادة الموظف العام حتى بعد تركه الخدمة بشأن ما تصل به علمه إلا إذا رفعت جهة العمل السرية عن المعلومات محل الشهادة أو أذنت له بذلك.

  • علاوة على موانع الشهادة التي نص عليها النظام هناك موانع للشهادة نص عليها الشارع منها:

  1. وجود العداوة بين الخصوم لقوله صلى الله عليه وسلم "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه...".
  2. أن يكون الشاهد عدلا، فالعدالة شرط لقبول الشهادة.
  3. العصبية أو التحيز.
  4. التبعية، كشهادة الخادم للمخدوم، أو العبد لسيده.


🚨 وهنا يستحسن التنبيه إلى أمرا هام هو أن شهادة الأصل ضد الفرع وشهادة الفرع ضد الأصل وشهادة العامل أٌو الأجير الخاص ضد صاحب العمل مقبولة ولا خلاف عليها إلا إذا ثبت أنها جالبة لنفع أو دافعه لضر، أو أن الشهود توجد بينهم وبين المشهود ضده عداوة.


  •   الآراء

1- فريقا يرى قبولها لأن الأصل في المسلم العدالة ، ومستدلين في ذلك على قول الحق سبحانه وتعالى "واستشهدوا شهيدين من رجالكم" سورة البقرة الآية 282 وقوله تعالى " واشهدوا ذوي عدل منكم" سورة الطلاق الآية رقم 2، والحقيقة أن كثير من الوقائع التي تحدث اليوم وتحتاج إلى وسيلة إثبات تثبتها هي الوقائع التي تحدث في مكان العمل، بين العامل وصاحب العمل وبشهادة العمال الموجودين في مكان الواقعة، فهل تهدر تلك الشهادة بوجه عام لأنها صدرت من العامل لصالح صاحب العمل؟ أما تعامل معاملة الدليل الناقص ويلجأ القاضي معها لليمين المتممة بدلا من عدم قبولها؟.


2- وفريق آخر وهو الغالبية يرى عدم قبولها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا شهادة لجار المغنم ولا الدافع المغرم"، والعلة هنا معروفة وهي التهمة، وجاء في القواعد "الأجير الخاص لا تقبل شهادته لمن يعمل لديه" القرار رقم : 111/ق1/ب تاريخ القرار: 3/2/1425 , وعدم قبول شهادة الأجير الخاص استدل به من باب القياس على كل من يجلب لنفسه نفعا بشهادته أو يدفع عنها ضرا بشهادته. حيث لم يرد فيه نص صريح بعدم القبول. وهذا الرأي هو ما استقر عليه العمل القضائي من عدم قبول شهادة العامل لصاحب العمل، لأن المنافع بينهما متصلة.


3- وفريق ثالث يرى أن شهادته لا تقبل لمن استأجره فيما استأجره فيه خاصه وتجوز له فيما عدا ذلك وهو قول سفيان الثوري رحمه الله. وكذلك المالكية اجازوا شهادة الأجير إذا كان مبرزا في العدالة ولم يكن في عيال المشهود له.

والحقيقة أن القاعد "ألا اجتهاد مع النص" والعامل متى كانت شهادته لا تجلب له نفعا ولا تدفع عنه ضررا فلا يوجد ما يمنع من قبول شهادته أمام القضاء، إذا توافرت فيها باقي شروط قبول الشهادة وانتفت موانع اداءها.  فالعامل قد يؤدي الشهادة  في أمور يسيرة لا نفع فيها ولا ضرر، لذا فلا يوجد ما يسوغ عدم قبول شهادته، ومرد تقدير ذلك للسلطة التقديرية للقاضي.

4- أخيرا فالنظام كما اسلفنا نص في المادة 71/2 من نظام الإثبات على " لا تقبل شهادة من يدفع بالشهادة عن نفسه ضررا أو يجلب لها نفعا , ...إلخ".

إذا فالنظام وضع معيار أو إطار عاما لقبول الشهادة من عدمه، متى ما تحقق هذا المعيار فأن الشهادة تكون مقبولة لذا، فالرأي الثالث الذي يرى بقبول شهادة الأجير وعدم ردها بوجه عام، يؤيده النص النظامي في ذلك، متى ما تم إثبات عدم وجود مصلحة أو عدم وجود مضرة على العامل، ولا شك أن توافر هذا المعيار في العامل يعد من الأمور التي ليست بالهين إثباتها، ولكن متى ثبتت فلا يجوز الحكم بخلافها، حتى لا يكون الحكم مخالفا للنظام.


📌تطبيق قضائي على قبول شهادة العامل لصاحب 

قضت المحكمة العامة بمحافظة جدة في القضية رقم 33183202 بتاريخ 1433هـ بقبول شهادة شاهدين كانا يعملان لدى المدعي، الشاهدان شهدوا لصالح رب عملهما في دعواه الذي طالب فيها بإلزام شخص بدفع ثمن بضاعة عبارة عن عطور ومستحضرات تجميل باعها مندوب المدعي لذلك الشخص.


وقد استندت المحكمة في حكمها إلى أن شهادة الأجير الخاص تُعتبر قرينة قوية على صحة الدعوى، وزادت قوتها بأداء المدعي اليمين بناءً على ذلك حكمت المحكمة بأن المدعى عليه ملزم بدفع المبلغ المطلوب من قبل المدعي.


بعد أن استعرضنا شروط وموانعا الشهادة الواردة في نظام الإثبات، والآراء الفقهية الثلاثة التي قيلت في مسألة قبول شهادة العامل لصاحب العمل، وذكرنا أن النظام وضع معيار عام وليس شخصي في مسألة قبول الشهادة من عدمها أي أنه لم يحدد فئة معينة بذواتهم، ومنعهم من الشهادة، بل أن استبعاد العمال من الشهادة لصاحب العمل أنما كان اجتهاد فقهي - محمود - عبر العصور، ولكن شهادة العامل لصاحب العمل قد تكون هي الوسيلة الوحيدة للإثبات في كثير من الأحيان، لذا فأن القول بإهدارها وعدم الأخذ بها بوجه عام قد يتسبب في ضياع الحق، لذا فالأفضل أن تعامل تلك الشهادة معاملة الدليل الناقص الذي يستكمل باليمين المتممة، بدلا من عدم قبولها.

📌مراجع

  1. مقال بعنوان "الأجير" - موقع ويكي تست.
  2. حكم شهادة الأجير لمن استأجره - صفحة إسلام ويب.
  3. مدونة الأحكام القضائية لعام 1445، ص 156.
  4. https://youtu.be/SrJQNAUThMQ?si=_YudU4fd-hy6PwaW
  5. https://shamela.ws/book/38056/1299
  6. https://ketabonline.com/ar/books/107213/read?part=1&page=26&index=2401157/2401169/2401170/2401173

إرسال تعليق

أحدث أقدم