كيفية الاعتراض على الأحكام الغيابية: مقارنة شاملة بين نظام المرافعات الشرعية ونظام المحاكم التجارية ونظام الإجراءات الجزائية


بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، تعد مسألة الحضور والغياب عن الجلسات القضائية من المسائل المعقدة التي تتفاوت الأحكام المتعلقة بها وفقًا لطبيعة القضية والأنظمة القانونية المعمول بها.
فالقضايا المالية أو الحقوقية لا يمكن معاملتها من حيث النصوص القانونية المنظمة لها كمعاملة القضايا التجارية أو الجنائية، ومع ذلك، فإن الاعتراض على الأحكام الغيابية يعد إجراءً ضرورياً ينسجم مع المبادئ القانونية ومبادئ العدالة بشكل عام.

كيفية الاعتراض على الأحكام الغيابية: مقارنة شاملة بين نظام المرافعات الشرعية ونظام المحاكم التجارية ونظام الإجراءات الجزائية

جاء في المحرر للمجد أبي البركات" ومن ادعى على غائب أو مستتر في البلد أو ميت أو صبي أو مجنون وله بينة سمعت وحكم له بها ويستخلفه الحاكم على بقاء حقه".
لكن السؤال الأساسي هنا هو: هل يحق لأي شخص التغيب عن حضور الجلسات القضائية ثم تقديم طلب "معارضة" ضد الحكم الصادر بحقه عند تبلغه به؟ سنجيب على هذا السؤال إن شاء الله، في هذا المقال، مستعرضين الأحكام الخاصة بهذا الموضوع وفقًا لنظام المرافعات الشرعية، ونظام المحاكم التجارية، ونظام الإجراءات الجزائية.


📌 هل يترتب على غياب المدعي عن الجلسة القضائية صدور حكم غيابي؟

نعم، يترتب على غياب المدعي عن الجلسات القضائية أن يصدر حكم غيابي ضده، حيث رتب القانون عقابًا يسمى "الشطب" وعدم نظر الدعوى كجزاء لتغيب المدعي وإهماله، ومع ذلك، إذا كانت القضية صالحة للحكم فيها وطلب المدعى عليه الحاضر من المحكمة إصدار حكم في القضية، فإن المحكمة ستصدر الحكم بناءً على طلبه ولا تقوم بشطب القضية.

ولا شك أن هذه المسألة تعد من المسائل الخطيرة التي قد تترتب عليها خسارة المدعي لدعواه، وعدم قدرته في اكتسب الحكم الابتدائي القطعية من رفع قضية جديدة، لكون الموضوع قد فُصل فيها مسبقًا.


📌 هل تصدر المحكمة حكمًا غيابيًا في القضية إذا غاب المدعى عليه؟

قبل صدور تعميم المجلس الأعلى للقضاء رقم 1020/ت بتاريخ 04-05-1439هـ كان عدم حضور المدعى عليه للجلسة، مع عدم القدرة على تبليغه لشخصه عبر قسم "المحضرين بالمحكمة" يؤدي إلى إصدار حكم غيابي ضده إذا كانت القضية جاهزة للفصل فيها وقدم المدعي الأدلة الكافية للحكم له في دعواه. 
جاء في "المغني" لابن قدامة (95/10): "ويحكم على الغائب، إذا صح الحق عليه، وجملته أن من ادعى حقًا على غائب في بلد آخر، وطلب من الحاكم سماع البينة، والحكم بها عليه، فعلى الحاكم إجابته إذا كملت الشرائط."

لكن بعد صدور التعميم المشار إليه، أصبح من حق الجهات القضائية تبليغ المدعى عليه باستخدام وسائل إلكترونية متعددة، مثل الرسائل النصية، البريد الإلكتروني المعتمد لدى الجهات الحكومية، أو المدون في العقد، أو عبر الموقع الإلكتروني للشخصية المعنوية، بالإضافة إلى الحسابات المسجلة في الأنظمة الإلكترونية الحكومية.

لذا، عند استخدام أي من هذه الوسائل للتبليغ، يعتبر التبليغ قد تم بشكل صحيح ويؤدي إلى الآثار النظامية الكاملة كما لو كان قد تم تبليغ المدعى عليه لشخصه، وبالتالي، إذا لم يحضر المدعى عليه بعد التبليغ باستخدام هذه الوسائل وقدم المدعي البينة الكافية على صحة دعواه، يُصدر الحكم بحق المدعى عليه حضورياً وليس غيابياً، ولا يمكن للمدعى عليه الاحتجاج بصدور الحكم ضده غيابياً لعدم حضوره.


📌 هل يكتسب الحكم الغيابي القطعية بانتهاء مدة الاعتراض على الحكم؟

من المعروف أنه في الأحكام التي تصدر حضورياً، تبدأ مدة الاعتراض بالاستئناف منذ اليوم التالي لتاريخ استلام الحكم، فإذا انتهت المدة المحددة للاعتراض، وهي ثلاثون يوماً من تاريخ استلام الحكم، دون أن يُرفع طلب استئناف في القضية أو الاعتراض على الحكم وتأييده من قبل محكمة الاستئناف، يصبح الحكم نهائياً.
وبعد انتهاء مدة الاعتراض بالنقض، يصبح الحكم باتاً ولا يمكن الاعتراض عليه إلا بطريق التماس إعادة النظر وفق الحالات المحددة حصراً في النظام.

أما في الأحكام الغيابية، فلا يفقد من صدر بحقه الحكم الحق في الاعتراض عليه لانتهاء مهلة الاعتراض بالاستئناف أو النقض، بل إن النظام عامله معاملة خاصة، حيث خوله الحق في تقديم طلب يسمى "المعارضة" إلى المحكمة التي أصدرت الحكم، وذلك من تاريخ تبلغه هو أو وكيله بالحكم الصادر في حقه، ليطالب المعارض بإيقاف تنفيذ الحكم المعترض عليه ونقضه.

📌لكن ماذا لو غاب المدعى عليه أيضًا عن جلسة نظر طلب المعارضة على الحكم الغيابي الصادر في حقه؟

في حال غياب المدعى عليه عن جلسة نظر طلب المعارضة، يُعتبر ذلك بمثابة إهمال وتفريط وعدم جدية منه، ويُحتم على المحكمة اتخاذ الإجراءات اللازمة بناءً على الأوضاع القانونية والإجراءات المعمول بها، حيث إن الأصل أنه يجب على المدعى عليه تقديم طلبات الاعتراض على الأحكام الصادرة في حقه ضمن المواعيد المحددة لضمان حقوقه القانونية وحقوق الغير.

ولكن المنظم استثناء من ذلك الأصل العام أتاح له إمكانية الاعتراض على تلك الأحكام في حال عدم تبلغه لشخصه. ومع ذلك، فإن عدم حضوره لجلسة نظر طلب "المعارضة" يجعل المحكمة في هذه الحالة تحكم بسقوط حقه في طلب المعارضة، ويعتبر حكمها نهائيًا لا يقبل الاعتراض، وبالتالي، يكون المدعى عليه قد أهدر حقه في الدفاع عن نفسه للمرة الثانية، ولا يلوم إلا نفسه.

📌هل الحكم الغيابي النهائي واجب النفاذ؟

نعم، الحكم الغيابي النهائي يكون واجب النفاذ. حيث أنه بعد صدور الحكم الغيابي من محكمة الدرجة الأولى، يتم رفعه تلقائيًا للتدقيق أمام محكمة الاستئناف وفقًا للنظام، وبعد تأييد محكمة الاستئناف للحكم وإضافة الصيغة التنفيذية عليه، يصبح الحكم نهائيًا وقابلًا للتنفيذ  مباشرة.

📌متى تبدأ مدة الاعتراض؟

تبدأ مدة تقديم طلب المعارضة من تاريخ تبليغ المدعى عليه أو وكيله بالحكم الصادر في حقه، وليس من تاريخ صدور الصك. وفي حال عدم تقديم طلب المعارضة خلال ثلاثين يومًا من تاريخ التبليغ، يسقط حق المدعى عليه في تقديم ذلك الطلب.

بعد تقديم طلب المعارضة وفق الإجراءات المحددة نظامًا لرفع الدعاوى، وقيد الطلب، ينظر القاضي في الطلب وأسانيده وفق القاعدة: "الغائب على حجته متى حضر"،  فإذا أصدر القاضي حكمًا بنقض الحكم الغيابي، فإنه يأمر بإيقاف تنفيذ الحكم الغيابي الذي تم نقضه.

📌الاعتراض على الأحكام الغيابية في نظام المحاكم التجارية ونظام الإجراءات الجزائية

أولا: نظام المحاكم التجارية

نصت المادة 30/2 على: "2- إذا تم تبليغ المدعى عليه أو وكيله وكان التبليغ قد تم لغير شخصه، فعلى المحكمة تأجيل نظر الدعوى إلى جلسة تالية يتم التبليغ بها. فإن لم يحضر، وكان قد تم تبليغه لغير شخصه - للمرة الثانية - فصلت المحكمة في الدعوى، ويُعد الحكم في حق المدعى عليه حضورياً. 3- في جميع الأحوال، يُعد تبليغ الشخصية الاعتبارية - بموجب أحكام النظام - تبليغاً لشخصها".

يتضح من نص النظام أن من يتغيب عن الحضور في القضايا التجارية، وقدم خصمه الأدلة الكافية للحكم لصالحه، سيصدر ضده حكم حضوري وليس غيابياً. ولن يعود بمقدوره، بعد انتهاء المدة النظامية للاعتراض، تقديم طلب "معارضة" على الحكم الصادر في حقه متى تبلغ به أو علم به، ولا شك أن نظام المحاكم التجارية هنا جاء بنص خاص، وهو مقدم في التطبيق على النص العام الوارد في المادة 60 من نظام المرافعات الشرعية.

ثانيا: نظام الإجراءات الجزائية: 

القواعد القانونية المنظمة للإجراءات الجزائية لها طبيعة خاصة ترتبط بطبيعة الدعاوى الجنائية والعقوبات الصادرة فيها، وتطبيق العدالة الجنائية، والحفاظ على أمن المجتمع وسلامته. لذلك، فإن الدعوى الجزائية وكقاعدة عامة "لا يمكن أن يصدر فيها حكم غيابي"، وفي حال تخلف المدعى عليه (الذي قد يكون موقوفًا أو غير موقوف) عن الحضور، فإن القاضي يؤجل الجلسة التي تغيب فيها لحين حضوره، ولا يجوز له أن يُصدر حكم في حق المتهم غيابياً.


في الختام، يظهر أن هناك اختلافات واضحة بين النصوص النظامية المتعلقة بالاعتراض على الأحكام الغيابية في نظام المرافعات الشرعية، ونظام المحاكم التجارية، ونظام الإجراءات الجزائية، بينما تتباين الإجراءات وحقوق الأطراف في كل نظام، فإن الهدف المشترك هو ضمان تحقيق العدالة وحق الطعن بشكل مناسب وفقاً للأنظمة المحددة.


إرسال تعليق

أحدث أقدم